الاحتضان العربي لسوريا ورهانات الحل السياسي

فاطمة حوحو
فاطمة حوحو

منذ أكثر من سنتين يراوح الوضع في سوريا مكانه، فالحرب التي ساهمت روسيا وايران وميليشياتها في حسمها لصالح نظام بشار الأسد وتشتت المعارضة وانقساماتها التي سمحت لمنظمات “ارهابية” بممارسة نشاطها العسكري والهيمنة على مناطق “محررة”، والاهمال الدولي في السعي الى تنفيذ حل سياسي يستطيع أن يحدث خرقاً ويوقف الصراع المستمر منذ أكثر من 12 عاماً، سواء كان سببه تعنت النظام وحلفائه أو مواقف المعارضة المدعومة من تركيا أو غيرها، ومع غياب أي تأثير للنخب السياسية المعارضة على الأرض في صنع قرار يسهم في الانتقال نحو خيارات سلمية، لم يكن هناك امكان للدفع بعجلات الحل السياسي الى الأمام.

على الرغم من حالة اليأس من أن يقدم بشار الأسد تنازلات على المستوى الداخلي ويضع حداً للصراعات المفتوحة بما يكفل تحرر سوريا من ثقل المحتلين والتدخلات الخارجية التي أسهمت في ايقاف النظام على قدميه وفي تشريد شعب واعتقالات وتعذيب وإرتكاب جرائم لاإنسانية، جاء الاتفاق السعودي – الايراني ليفتح طاقة في الجدران المقفلة ويحرّك ملف الحرب السورية، من باب أن استقرار المنطقة في ظل الصراع العالمي الدائر الذي فرضته الحرب الروسية – الأوكرانية، والذي يهدد بحرب عالمية ثالثة، أصبح حاجة ملحة وضرورية لحفظ أمن منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط.

ومن الملاحظ أن الوضع في سوريا بدأ يسير نحو الانفراج، بحيث من المتوقع أن تفتح سفارتا المملكة العربية السعودية وسوريا في كلا البلدين بعد عيد الفطر، وأن تشارك سوريا في القمة العربية المنتظرة في الرياض، والظاهر أن الدول العربية فكت حصارها السياسي عن الأسد فاستقبل في الامارات، وجاءت زيارات مسؤولين مصريين وبرلمانيين عرب لتعزز ما يتردد عن المنحى الجديد في التعاطي مع سوريا وعدم ترك ساحتها لتتلاعب بها القوى الخارجية.

لكن السؤال هل يؤدي هذا الانفراج الى خطوات عملية توصل الى حل سياسي يكون بديلاً من القتال وخطوط الحرب الأهلية بين المناطق التي يسيطر عليها النظام والأخرى التي تقع تحت سيطرة تنظيمات المعارضة؟

لا شيء واضح حتى الآن، فالانفراجة الحاصلة سياسياً لا تعني أن هناك حلاً سياسياً قد طبخ وجاهز للتقديم، لكن هناك اقتراحات روسية للحل قد تكون مقبولة من طرفي الصراع ويمكن تبنيها أو نقاشها من خلف الستار حتى يولد حل مناسب يحفظ سلم سوريا وأهلها من الصراعات الدموية.

يمكن القول ان العرب يعودون الى سوريا، بينما المطلوب عودتها الى العرب، فسوريا اليوم مقسمة كمواقع نفوذ لدول خارجية، روسيا وأميركا وتركيا وايران بصورة مباشرة، ناهيك عن اسرائيل التي تخرق بطيرانها الحدود وتقصف الأراضي السورية من دون حسيب أو رقيب. ولا بد من البحث عن سبل استعادة كل سوريا الى الحضن العربي، وهذا لا يمكن حصوله من دون وضع تصور لكيفية التعامل مع المشكلة السورية سواء مع أطرافها في الخارج أم في الداخل، والتواصل مع الجميع لا سيما مع السوريين المنقسمين بين النظام والمعارضة والمشتتين بين شرق وغرب وشمال وجنوب في الداخل وبين المنتشرين في الخارج في بلدان العالم.

ينظر بعض المعارضين السوريين الى الاتفاق السعودي – الايراني نظرة تخوف من أن تكون هناك محاولة لترتيب الأوضاع على حسابهم، الا أن الكثيرين وجدوا أن بالامكان الافادة منه ليضغط البلدان على النظام لدفعه الى الالتزام بقرارات الأمم المتحدة، وبالتالي التوجه الى تطبيق الحل السياسي وحوار جنيف الذي أعاقت روسيا متابعته وانخراط فريق الحكم فيه والتعامل معه بجدية، كما الافادة من علاقات السعودية مع معارضين مؤثرين قد يسهموا في وضع توجهات مناسبة لحل قابل للحياة والتنفيذ وصياغة خطوات مطلوبة من النظام السوري أقله في عودة اللاجئين والاعمار واطلاق سراح المعتقلين والكشف عن مصير المفقودين وغيرها من الأمور الحيوية لبناء الثقة.

لا شك في أن عودة سوريا الى الحضن العربي والرعاية العربية لها التي برزت بعد حصول الزلزال تعني أن على النظام التفكير بطريقة مختلفة، وهذه العودة لن تكون حقيقية ما لم يطرح حل سياسي للتنفيذ. قد يكون المشروع الروسي قابل للحياة اذا ما جرت عليه تعديلات مناسبة وفق بعض المحللين، لكن الأمر يتطلب العمل على مشروع وطني سوري للحل يجري نقاشه حتى يكون صالحاً وقادراً على إخراج سوريا من حال المراوحة والحصار الاقتصادي الذي حصل بعد إقرار “قانون قيصر” والذي تسبب بتدمير الوضع الاقتصادي في سوريا، وحاول النظام إنعاشه عن طريق حلفائه من البوابة اللبنانية عبر عمليات التهريب اللاشرعية.

لقد التقطت السعودية اللحظة المناسبة من أجل التقارب مع ايران وتقريب وجهات النظر علّها تنجح في ايجاد حلول في سوريا والعراق واليمن ولبنان، واعادة العمل المشترك من أجل الاستقرار والتنمية وحماية الأمن العربي ومنع التدخلات الخارجية في شؤون الدول العربية وحفظ سيادتها وتحصينها في مواجهة التحديات، ومن هنا رهانها على أهمية الحوار المنتج بين السوريين، وضرورة عودة اللحمة العربية ووضع حد للخلافات والتباينات ورعاية المصالح المشتركة، بعيداً عما تريده الدول الكبرى.

يرى البعض أن استمرار الانكفاء العربي عن سوريا لن يؤدي سوى إلى مفاقمة الوضع المأساوي فيها والإضرار بالمصالح العربية على حد سواء. وبالتالي، كانت هناك حاجة الى عودة الدور العربي البناء في سوريا للمساعدة في إحلال السلام والاستقرار، لكنّ المُعضلة الكبرى التي تواجه الانفتاح العربي على النظام تكمن بصورة أساسية في أن يؤدي الى خدمة الأسد وحلفائه لا خدمة المصالح العربية والشعب السوري.

وريثما تتضح صورة الأفق الجديد الذي سيرسم، وتأثيره في الساحة السورية يتساءل البعض عما اذا كان الاتفاق سيسهم في دفع السلام وانهاء الحرب السورية، وعما اذا كانت صناعة تسوية الصراع ستحصل على أساس قرارات مجلس الأمن، لأن ذلك سيحدث تغييراً. أما اذا جرى تطبيع العلاقة وعودة النظام الى الحضن العربي من دون أي تغيير في سلوكيات النظام سياسياً وأمنياً فستبقى الأمور على حالها لا بل ان فقدان العدالة سيفاقم الهوة، كما أن عودة العرب الى سوريا شرطه إضعاف الدور الايراني وتأثيره وهو قرار يجب أن يتخذه النظام ويعمل على تنفيذه بخطوات عملية بالتخلي عن ميليشيات ايران بصورة واضحة، اذ لا يمكن القبول بموقف يوازن ما بين الوجود العربي والايراني في سوريا فلعبة من هذا النوع ستكون لها ارتدادات سيئة بحسب البعض.

الصورة الضبابية اليوم قد تتضح لاحقاً، والعالم يراقب، وليس قرار العقوبات الأميركي والبريطاني على شخصيات من آل الأسد بتهم تهريب الكبتاغون سوى دليل على أن قوارب النجاة ليست متوافرة دائماً.

شارك المقال