لا جديد تحت شمس الاستحقاق الرئاسي، حتى بعد إنتهاء زيارة المبعوث الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان “الاستطلاعية” – عن أي إستطلاع يتحدثون؟ – التي بدت وكأنها لزوم ما لا يلزم في وقائعها ونتائجها. فالزيارة لم تحقق أي خرق يذكر، اللهم باستثناء تغطية عدم الدعوة الى جلسات جديدة للانتخاب بإنتظار عودته المقررة مبدئياً منتصف شهر تموز.
في مقابل هذا الجمود على مستوى الاستحقاق، تبدو الحياة مستمرة وإن بصعوبة وعجز وبالتنفس الاصطناعي في جسد بقية المؤسسات تشريعية كانت أم حكومية، على الرغم من أصوات المعترضين التي تبدو هي الأخرى لزوم ما لا يلزم وبهدف رفع العتب أكثر منها معارضة جدية، فالحكومة تعمل بقوة الأمر الواقع وكأن شيئاً لم يكن، وهي لم تكن تعمل بأكثر من ذلك على أية حال في ظل وجود الرئيس السابق والشلل السياسي الذي كان يتسبَّب به. كذلك المجلس النيابي “سيد نفسه” كما يحلو لرئيسه التباهي دائماً، يُشرِّع بذريعة “الضرورة”، وهو ما يدعو الى الخشية من أن يتأقلم البلد والناس – إن لم يكونا قد تأقلما بالفعل – مع هذا الوضع، بحيث يصبح وجود الرئيس كعدمه في الحياة السياسية في البلد، وهو ما قد يسري على بقية المناصب التي ينتظرها الفراغ قريباً كمنصب حاكم مصرف لبنان، وعلى المدى المتوسط كمنصب قائد الجيش في كانون الثاني المقبل، وهي للمصادفة – هل هي فعلاً مصادفة؟ – أرفع مناصب مارونية في الدولة، فيترسخ الفراغ لا بل يتمدَّد لتصبح الدولة بأسرها دولة تصريف أعمال وكأن هناك من يتعمَّد ذلك، في الوقت الذي يتلهى به الزعماء المسيحيون والموارنة خصوصاً، بالخلاف على جنس “الملائكة” والرئيس تارة، وبالتوجه إلى خيارات إنتحارية كالفديرالية تارة أخرى.
وإذا كان منصب الرئيس بعد الطائف قد قُلِّصت صلاحياته وباتت السلطة عملياً في مجلس الوزراء مجتمعاً، فالوضع مختلف بالنسبة الى منصبي حاكم البنك المركزي وقيادة الجيش بما يمثلان من “قوة” المال والعسكر، وبما هما تقليدياً من “حصة” الولايات المتحدة في النظام السياسي اللبناني، فإن التساؤل يصبح مشروعاً عن الموقف الأميركي من هذا الأمر وكيفية التصرف حياله، وهو إذا ما إستمر طويلاً – أي الفراغ – قد يدفع بقية الأطراف إلى طرح صيغة جديدة للنظام السياسي بديلاً من إتفاق الطائف، وهذا بالمناسبة ليس تهويلاً كما قد يتراءى للبعض، بل قد يكون أحد الأهداف جراء هذا الفراغ، وقد يصبح أحد الحلول المطروحة بقوة الأمر الواقع والتفاهمات الاقليمية والدولية التي قد تفرض نفسها، في ظل التطورات المثيرة في العالم، وليس آخرها ما حدث في روسيا مؤخراً على خلفية الحرب مع أوكرانيا، التي أشعلت النار في البيت الأوروبي الأمر الذي صرف أنظار العالم عن مشكلاتنا، وباتت بلداننا مطروحة في سوق التعهدات الدولية لمن يلبي دفتر الشروط، فلم يعد هناك من “أم حنون” ولا شقيق أو صديق نجده “وقت الضيق”، واليوم أكثر من أي وقت مضى مطلوب أن نسترشد بالقول المأثور “ما حك جلدك مثل ظفرك”، فقد بلغ السيل الزبى وهو ما تؤكده التقارير الدولية التي بات لبنان ضيفاً دائماً عليها وعلى تصنيفاتها وآخرها تقرير صندوق النقد الدولي منذ أيام، وهذا لن يكون إلا باللجوء إلى قوة الناس والشعب، عبر النضال اليومي والسلمي في الشارع كما حصل إبان “ثورة الأرز” 2005 وكذلك في 17 تشرين 2019، وهي الثورات التي أجهضتها التنازلات وأنصاف الحلول، وهذه المرة بمواجهة قوى التسلط والأمر الواقع، من عسكرية وأمنية ومالية دمرت البلد وأفلسته سياسياً ومالياً وحتى أخلاقياً، وإلا فالفراغ باقٍ ويتمدد، حتى تقضي التطورات الاقليمية والدولية أمراً كان مفعولا، وقتها سندفع الثمن مجدداً كما في السابق، الفارق الوحيد أننا في السابق دفعناه من حاضرنا وماضينا، أما اليوم فالدفع سيكون مما تبقى من رصيد للمستقبل على قلته، فهل نحن واعون؟


