“القرار” يسري على الأضعف

لينا دوغان

لم يكن أحد يعرف ما اذا كان القرار متوقعاً أم لا، لكن لا أظن أن اللبنانيين كانوا ينتظرونه من الأوروبيين الذين هم على دراية بواقعهم وأزماتهم التي تهدد وجودهم، الا أن البرلمان الأوروبي صوّت عليه وبالغالبية الساحقة وقالها جهارة لبقاء اللاجئين السوريين في لبنان واستمرار مساعدتهم، الى حين توفير العودة الآمنة لهم. وهذا القرار بحد ذاته يمثل وجهة نظر دولية ترفض عودة اللاجئين الى بلادهم، الا بطريقة طوعية وكريمة وآمنة، وفقاً للمعايير الدولية، وهذا ما نؤيده طبعاً، كذلك أعرب البيان الأوروبي عن قلقه من تصاعد الخطاب المناهض للاجئين من الأحزاب السياسية والوزراء اللبنانيين، وحض لبنان، في حال اتخاذ أي إجراء في شأن الهجرة، على الامتناع عن الترحيل وفرض إجراءات تمييزية والتحريض على الكراهية ضد اللاجئين السوريين.

على ما يبدو ولنقولها صراحة، الوضع السياسي اللبناني وقرارات المسؤولين فيه هما من أوصل الأوروبيين الى مثل هذا القرار. الانقسام الحاصل بشأن موضوع اللاجئين وترحيلهم بطريقة عشوائية لا تضمن أمنهم هو من أوصل الى قرار كهذا. فلو كانت الأمور في ملف اللاجئين منذ بداية الأزمة السورية حتى الآن متوافقاً عليها من الجميع لما كنا وصلنا الى ما وصلنا اليه الآن، ولما كان الأوروبيون المنقسمون بشأن هذا الملف، سمعوا من كثيرين زاروهم عما يحدث في تفاصيله ووصلوا الى هذا القرار، طبعاً ناهيك عن النقاط المرتبطة بالبرلمان الأوروبي والوضع الداخلي في سوريا خصوصاً من الناحية السياسية.

باختصار صدّر الأوروبيون مشكلتهم إلينا، لأننا لا نملك القرار الواحد بالمواجهة. صحيح أننا دولة ذات سيادة وقرار كهذا يمس بسيادتنا، لكننا ومع جميع المواقف التي صدرت مستنكرة كل على طريقته، سنقف متفرجين على الرغم من الغضب ولن نحرك ساكناً.

يشار أيضاً الى نقطة مهمة وهي أن الاتحاد الأوروبي ليست له علاقات حتى الساعة مع سوريا، واعادة هذه العلاقات بعملية انتقال سياسي شاملة وذات مصداقية.

أما في ما خص شروط إعادة اللاجئين السوريين كما حددتها المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين فهي غير مستوفاة حالياً، والاتحاد لن يدعم عمليات العودة المنظمة إلى سوريا ما لم تكن هناك ضمانات موثوقة بأن هذه العودة طوعية ومراقبة من جانب المجتمع الدولي، ويشدد على أن اللاجئين لن يُعادوا قسراً إلى سوريا حتى يتم استيفاء هذه الشروط.

بكل هذه الظروف والمعطيات، لم يجد الاتحاد الأوروبي “شماعة” له سوى لبنان، الحلقة الأضعف في المعادلة بوجود تركيا والأردن، ولكن أيضاً بوجود لبنان المنهك وبلا رأس هرم منذ ما يقارب التسعة أشهر.

البيان الأوروبي تضمن عدة قرارات وليس موضوع اللاجئين وحسب، ولعل أهمها الشق السياسي، اذ حمّل مسؤولية ما يحصل في لبنان للسياسيين في كل الطبقة الحاكمة، وحثّ المجلس النيابي اللبناني على إنتخاب رئيس للجمهورية في أقرب وقت، بالاضافة إلى إقرار الإصلاحات اللازمة مع الطلب إلى القادة اللبنانيين إعطاء الأولية للمصالح الوطنية.

صحيح أن كل السياسيين يتحملون مسؤولية ما وصل اليه البلد، وهناك ضرورة لانتخاب رئيس للجمهورية في مجلس النواب، والمصالح الوطنية أولوية، لكن كما بات واضحاً فإن الحلول لم تعد عندهم والخلافات أكبر من أن يجدوا لها حلولاً، بانتظار ما سيأتيهم من الخارج، فالداخل أضحى عقيماً.

وربطاً، كان متوقعاً أن يكون بيننا الموفد الفرنسي جان ايف لودريان هذا الأسبوع، لكن سفره الى الرياض ثم اللقاء الخماسي الذي تقرر في الدوحة حالا دون ذلك، وأنظار اللبنانيين الى هذا اللقاء خصوصاً أنه سيشهد تقديم لودريان مقاربته للملف اللبناني بناء على زيارته ولقاءاته في لبنان. وعليه، تقول مصادر إن لودريان الذي من المنتظر أن يقوم بزيارة ثانية هذا الشهر، يعمل لحوار بين الفرقاء اللبنانيين، لكن حتى الساعة لم تحسم القوى السياسية كافة موقفها من الحوار وبالأخص القوى المسيحية، فبعد حزب “القوات” الذي لا يرغب بالمشاركة في الحوار، فإن موقف “التيار الوطني الحر” لا يزال ملتبساً ولا يحمل تأكيداً لجهة المشاركة أو رفضاً لذلك. وهناك مصادر تقول إن فكرة الحوار التي يحملها لودريان سينقلها من عين التينة الى قصر الصنوبر علها تلقى تجاوباً من الأطراف كافة.

الأجواء تشير الى أن لقاء الدوحة سيكون لقاء جدياً في بحث الملف اللبناني وسترشح عنه أمور ايجابية، وبالانتظار وطالما أننا ننتظر الحلول من الخارج سيبقى هذا الخارج ينظر إلينا كطرف ضعيف مشتت يستطيع أن يصدر بحقنا القرار الذي يريده، كما فعل البرلمان الأوروبي الذي يعرف تمام المعرفة وضعنا وأزمتنا وظروفنا ومأزقنا، لكنه قام بما يتناسب مع مصالحه في المنطقة، ومصالحه في ما يخص موضوع الهجرة، في ظل كل المتغيرات التي تحصل.

المواقف المستنكرة لا تكفي وحدها، لأن ما حصل هو استغلال للانقسام السياسي والفراغ الرئاسي والحكومي والأوضاع الاقتصادية في لبنان، والمشكلة أننا حين نستنكر، يظهر انقسامنا السياسي حتى في استنكارنا.

شارك المقال