بكركي للرعية: اللهم اني حاولت !

أنطوني جعجع

“…مشكلتي أن رعيتي تريد السير أمامي لا معي ولا خلفي”.

هذا ما همس به البطريرك الراحل نصر الله صفير في مجلس خاص في عز الهيمنة التي كان يفرضها معظم الزعماء الموارنة على المجتمع المسيحي ومن ضمنه الصرح التاريخي في بكركي.

وهذا ما سقط عملياً عندما غاب هولاء اما اغتيالاً واما نفياً واما سجناً واما انكفاء، ووقعت الأثقال كلها على كتف البطريرك الذي كان أمام خيارين: اما الخضوع لسطوة التركيبة الأمنية السورية – اللبنانية واما المواجهة وحيداً بلا “جيش” أو رعية مسلحة.

وفي العشرين من أيلول العام ٢٠٠٠ رفع صفير عصاه في وجه الجميع، وأطلق نداءه الشهير مفتتحاً زمن الانقلاب الذي كان ينتظر الشرارة المطلقة التي انفجرت مع اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

وفي لحظة تاريخية في “الرابع عشر من آذار”، ارتفع شعار “لبنان أولاً وأخيراً”، وانسحب الجيش السوري، وعاد ميشال عون وأمين الجميل ودوري شمعون من المنافي والغربة، وخرج سمير جعجع من السجن، وسيطر الاعتدال السني على الساحة الاسلامية وانعزل “حزب الله” في الزاوية الصعبة في انتظار حليف أو فرصة أو مخرج أو اتفاق.

الفرصة الأولى جاءته نسبياً من “الائتلاف الانتخابي الرباعي” الذي ضمّ “القوات اللبنانية”، والثانية جاءته عبر تحالفات انتخابية مع “التيار الوطني الحر” تطورت بعد سنة فقط الى اتفاق شامل أبرمه الفريقان في كنيسة مار مخايل “شفيع” الجنرال عون.

أمام هذا المشهد لم يكن البطريرك صفير في حال رضى، معتبراً أن ما حدث ساهم قصداً أو عفواً في سحب “حزب الله” من حجرته واعادته الى الحياة السياسية من منطلق جيد أسهم بعد سنوات في الوصول الى قصر بعبدا عبر جنرال طامح الى السلطة بأي ثمن وعبر أي “اتفاق عهود” يبرمه مع أي فريق يملك ولو نائباً واحداً في البرلمان.

اليوم، صفير ليس هنا، بل البطريريك بشارة الراعي الذي لم يوفق بعد سنوات طويلة ورهانات كثيرة لا في السير أمام رعيته ولا في دفعها الى السير معه أو خلفه.

ويعود الأمر الى سبب جوهري بدأ في اعتقاد الراعي أن سلفه صفير كان على خطأ عندما خاصم النظام السوري وقاطعه، وأنه كان متهوراً عندما حمل على هيمنة “حزب الله” وسلاحه، فبادر فور توليه سدة البطريركية الى زيارة قصر المهاجرين من دون رعيته، والى الانفتاح على البيئة الشيعية من دون أي مبادرة تتعدى الكلام الطيب، ليفقد بذلك نصف رعيته و”تأشيرة” دخول الى أميركا.

وليس المقصود هنا أن “اعتقاد” الراعي يعني “النية الصائبة المسبقة” لكنها تعني السير في “الخيار الانفتاحي” الآخر الذي أثبت عقمه وفشله سواء في احترام التوازنات أو في الوصول الى أي تفاهمات تمنع الدولة من الارتطام الكبير سواء اقتصادياً أو أمنياً أو حتى ديموغرافياً.

اليوم أيضاً، يقف الموارنة أمام أكثر من حائط مسدود، فلا البطريرك الماروني قادر على رص الموارنة خلفه بعد سلسلة مواقف متقلبة يتردد أن الفاتيكان اضطر الى تصويبها، ولا ميشال عون قادر على محو عثراته التي أرجعت لبنان والمسيحيين عشرات السنين الى الوراء، ولا على محو ثقته الخاطئة بوعود “حزب الله” و”الأمن الشيعي”، ولا سمير جعجع قادر على محو رهانه الخاطئ على رئاسة “الجنرال” أو احتواء ما أدى لاحقاً الى هيمنة حسن نصر الله المطلقة على مقدرات البلاد، أو استعادة التحالف السني – القواتي الذي شكل في مرحلة من المراحل نداً جدياً في مواجهة المحور الايراني – السوري وأربكه في كثير من المرات.

اليوم أيضاً وأيضاً، يقول مصدر قريب من بكركي: ان الراعي يشعر في قرارة نفسه أنه فقد الكثير من الفرص التي كان يمكن أن يتحول بها الى مرجعية مطلقة، وأن المرجعيات المارونية تعاملت معه مرات عدة على أنه “ملاذ غب الطلب” تلجأ اليه في أوقات الشدة والحرج، كما حدث مع رياض سلامة، وسمير جعجع وسليمان فرنجية، وجبران باسيل وميشال عون.

لكن مصادر في المعارضة المسيحية ترفض هذا الواقع وتؤكد أنها وقفت الى جانب الراعي في مفاصل كثيرة وحشدت له من القوة الشعبية والسياسية ما يكفي لفرضه حيثية وطنية لا يجرؤ أحد على التعرض لمقامها كما جاء في بعض اطلالات حسن نصر الله، وكما نال من موقع المطران موسى الحاج وممتلكات الكنيسة المارونية في لاسا وسواها.

وتضيف المصادر: ان الراعي أمسك عصاه من وسطها مدة طويلة كانت كافية كي لا يرضي بها المسيحيين وكي لا يحتوي بها بيئة “حزب الله”، الأمر الذي حوّل عظاته فيما بعد الى ما يشبه “الصراخ في البرية”.

وهنا لا بد من السؤال: من على حق ومن على خطأ؟ والجواب، وبعد سلسلة من التجارب والممارسات، ينتظر هذه المرة نتيجة التباين القائم بين الراعي وكل من جعجع وسامي الجميل على موضوع الحوار الذي دعا اليه الرئيس نبيه بري، وهو التباين الذي ظهر ما يشبه التلميح اليه في “قداس الشهداء” في معراب على الرغم من اصرار الأخيرة على أن المقصود كان النائب جبران باسيل وحسب.

وتقول مصادر محايدة في هذا المجال: ان الراعي وصل الى مرحلة لم يعد يحتمل فيها هذا الفراغ القاتل أو انتظار الاتفاق الماروني المنشود على هوية الرئيس العتيد وطريقة وصوله الى قصر بعبدا، وأن حزبي “القوات اللبنانية” و”الكتائب” وصلا الى مرحلة لم يعودا يطيقان فيها التسليم قسراً أو عفواً بمشيئة الثنائي الشيعي خصوصاً والمحور الممانع عموماً.

ونعود الى السؤال الأول: من على حق ومن على خطأ؟ والجواب أن الراعي لم يربح أي ورقة ثمينة بعد الانفتاح على الأسد و”حزب الله”، ولم يربح أي ورقة شعبية بعد وقوفه مرة الى جانب الرئيس ميشال عون خلال “ثورة السابع عشر من تشرين” ومرة خلال وقوفه الى جانب ثوارها، ولم يكسب ظلماً أي مصداقية عندما أعلن بعد خروجه من القصر الجمهوري أن الدولة مفلسة قبل ثلاث سنوات من “التفليسة” النهائية، ولم يلقَ أي صدقية من الموارنة الأربعة في ما يتعلق بالمداورة الرئاسية، ولم يحصل من معظم المسلمين على أي احترام لحقه في اختيار من يتبوأ المنصب الماروني الأول في البلاد.

حتى الساعة يدور فريقا بكركي والمعارضة المسيحية في حلقة مفرغة، فيواصل الأول تحركاته الانفتاحية والتي آخرها الانطلاق من حيث بدأ صفير أي انعاش المصالحة المسيحية – الدرزية في الجبل، ويبحث عن مخارج للأزمة الرئاسية والتي كان آخرها اللقاء مع السفير السعودي وليد بخاري وقريباً ربما مع الموفد الفرنسي جان لوي لودريان، ويواصل الفريق الثاني مواجهته السياسية والدستورية مع “محور الممانعة”، وسط أجواء توحي بأن غياب أي توافق أميركي – ايراني سيجعل الخلاف بينهما خلافاً عبثياً يخدم الخصوم مجاناً، وسيجعل أي تحرك محلي من هنا وهناك كناية عن “حركة بلا بركة”.

وسط هذا المشهد، يقر قريبون من بكركي بأن البطريرك السابع والسبعين ربما يكون البطريرك الذي لم يقرأ جيداً تداعيات هذا الزمن الرديء فأكثَرَ من رفع صلواته وقلل من رفع عصاه، فلا الصلاة أنزلت رئيساً على الموارنة، ولا اختارت عصاه رئيساً لا يجرؤ أحد على تسمية سواه أو تعطيل انتخابه أو استبداله بورقة بيضاء.

ووسط هذا المشهد أيضاً، تبدو المعارضة المسيحية في موقع لا يحثها على السير خلف البطريرك أو أمامه، على الرغم من علمها أن أي طريق تسلكها لا بد من أن تؤدي الى بكركي سواء تسليماً أو استسلاماً.

انه الزمن الذي يقود الفريقين الى “مجد” كان لهما ذات يوم وانتقل الى سواهما سواء بفعل قوة لديه أو بفعل شرخ لدى سواه.

شارك المقال