جلسة “بلا طعمة”!

صلاح تقي الدين

ينعقد مجلس النواب في جلسة اليوم تبدو قبل انعقادها كما مرجح من بعدها أن تكون “بلا طعمة” ومن دون أي جدوى، إذ ان الموضوع المطروح للنقاش تحديداً هو موضوع الهبة “الرشوة” بقيمة مليار يورو المقدمة من الاتحاد الأوروبي، كما ملف اللاجئين السوريين الذين يملك القرار بشأنهم على ما هو ظاهر اثنان: النظام السوري و”حزب الله”.

أما كون هذه الجلسة من غير ذي فائدة فلأسباب واضحة وجلية هي أن في نهايتها واستناداً الى أحكام الدستور ستخرج بتوصيات تكون هي الأخرى شكلية، إذ ان الحكومة “متفلتة” من أي رقابة نيابية عليها كونها في وضعية “تصريف الأعمال” وغير حائزة على ثقة المجلس النيابي الذي يقف هو أيضاً موقف العاجز عن محاسبتها أو طرح الثقة بها، وبالتالي فإن أي توصية تخرج عنه، لن تلزم الحكومة التي تتصرف على هواها أو “هوى” الاملاءات الخارجية، بتطبيقها.

غير أن المتوقع هو أن تشكل هذه الجلسة فرصة للسادة النواب المنتخبين للتعبير بخطابات “شعبوية” عن قناعتهم بأن مشكلة النزوح السوري أضحت أزمة وجودية وتشكّل خطراً على اللبنانيين جميعهم، وبالتالي سترتفع الأصوات المنادية بضرورة إيجاد حل لترحيلهم عن لبنان بعدما شعروا أن هذا الوجود الذي يفترض أنه مؤقت قد يتحول إلى “دائم” و”يخربط” أسس الكيان اللبناني بدءاً من الديموغرافيا وصولاً إلى الاقتصاد.

وبعدما كان رئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل قد رفع الصوت عالياً قبل أسبوعين تقريباً مطالباً بفتح البحر أمام اللاجئين السوريين و”التهديد” بتسهيل انتقالهم من لبنان إلى أوروبا، انضم إلى هذه الدعوة أول من أمس الأمين العام لـ “حزب الله” السيد حسن نصر الله باستخدام الحجة والمنطق نفسه وهو الدعوة إلى تسهيل انتقال السوريين بحراً من لبنان إلى أوروبا.

ماذا وراء هذه الدعوة؟ أولاً “مشكل” جديد مع الاتحاد الأوروبي والذي بالتأكيد ليس من صالح لبنان الدخول في أزمة مع الدول الأوروبية التي لا تزال تشكّل المتنفس الأول بالنسبة الى المساعدات السياسية والاقتصادية له. وإذا كان العذر “تهديداً” فوراء الأكمة سبب “رئاسي” أكيد وهو وضع العصي في دواليب قائد الجيش جوزيف عون الذي وجهت الدعوة إليه مباشرة لفتح “البحر” وبالتالي التخفيف من حظوظه الرئاسية “المدعومة” أوروبياً.

ولأن موقف “حزب الله” هو الذي يعوّل عليه، فقد سارع رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي إلى الاعتذار عن رئاسة وفد لبنان إلى قمة بروكسل التي تنعقد سنوياً للاكتتاب الأوروبي بالمساعدات للاجئين السوريين، وتكليف وزير الخارجية عبد الله بو حبيب رئاسة الوفد المشارك في هذه القمة، والذي يقال إنه سيلقي خطاباً “مهماً” خلالها.

ووضع اللاجئين السوريين يتعلق أولاً وأخيراً بالوضع السوري عموماً، وبالتالي فإن الطلب من الحكومة اللبنانية البحث مع الحكومة السورية في شأن إعادتهم، يشكل بحد ذاته مأزقاً سياسياً بالنسبة الى الرئيس ميقاتي الذي على الرغم من ذلك، أشارت تقارير إعلامية إلى أنه تلقى أو أجرى اتصالاً بنظيره السوري حسين عرنوس، وعليه فهل المطلوب إحراج ميقاتي تمهيداً لاخراجه؟

لا يختلف عاقلان على أن عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم تتوقف أولاً وأخيراً على نية رئيس النظام السوري بشار الأسد بعودتهم، وهو الذي كان أعلن صراحة أن التوازن الديموغرافي في سوريا قد تحقق بعد تهجير نحو خمسة ملايين “سني” سوري إلى تركيا والأردن ولبنان، وعليه فمن الواضح عدم وجود رغبة لديه في إعادتهم.

واللاجئون السوريون إلى لبنان يتألفون من فئات ثلاث، الأولى هم الذين هربوا فعلاً من بطش النظام السوري، والثانية هم الذين يشكلون اليد العاملة والتي كانت تأتي إلى لبنان منذ ما قبل الثورة السورية وتشكّل عصب العمالة في قطاعات الزراعة والبناء فيه، أما الفئة الثالثة وهي الأخطر فهم من أنصار النظام والذين أتوا إلى لبنان إما لأسباب اقتصادية فأسسوا قطاعاً تجارياً ناشطاً، وإما لأسباب أخرى لا شك في أنها تشكل هاجساً أمنياً لدى معظم اللبنانيين.

جلسة المجلس النيابي اليوم المنقولة مباشرة عبر محطات التلفزة، ستكون كما في كل مرة ينعقد فيها المجلس وتنقل جلسته على الهواء، فرصة للنواب لكي يطلقوا العنان لأفكارهم وآرائهم التي يريدونها أن تصل إلى الناخبين الذين وضعوا ثقتهم بهم، وبالتالي ستشهد شعبوية فائضة لن تسمن ولن تغني من جوع اللبنانيين التواقين إلى إيجاد حل لمعضلة الوجود السوري في بلدهم، كما معضلة الأزمة الاقتصادية التي تقلقهم أكثر من أي شيء آخر.

شارك المقال