هل تشعل وفاة رئيسي المواجهة أكثر بين “الممانعة” واسرائيل؟

جورج حايك
جورج حايك

حبس العالم أنفاسه بعد إكتشاف تحطّم طائرة الرئيس الايراني ابراهيم رئيسي وإعلان وفاته، وتوجّهت الأنظار إلى النظام الايراني وما إذا كان سيتّهم اسرائيل والولايات المتحدة الأميركية أو سيكتفي بالظروف المناخية القاسية التي سبّبت الحادث. ويبدو أن النظام إتخذ الطريق الثاني على الرغم من حالة العداء المستحكمة مع اسرائيل، لكن هذا لا يعني أنه لن تكون هناك تأثيرات لوفاة رئيسي على المشهد الجيوسياسي في المنطقة، وخصوصاً صراع اسرائيل ومحور الممانعة.

لا شك في أن رئيسي تمكّن، بفعل القوة والعنف تارة والديبلوماسية طوراً، من إدارة كل مشكلات إيران الداخلية والخارجية، وفد فاجأت إيران العالم تحت إدارته بقدراتها العسكرية واستعدادها للتوسّع. وداخلياً، واجهت تزايد العلمنة، ما وضع المجتمع على خلاف مع حكومة رئيسي. وتلفت معطيات واردة من واشنطن الى أن “التحولات الموجودة في إيران اليوم تختلف تماماً عن تلك التي كانت موجودة عندما وصل رئيسي إلى السلطة قبل ثلاثة أعوام”.

وتعتبر واشنطن أن رئيسي تبنى نهج المرشد علي خامنئي المفضّل: أولاً الشرق الأوسط في السياسة الخارجية، ما أدى إلى توسيع نفوذ إيران الاقليمي وتحسين العلاقات مع جيرانها، بما في ذلك منافستها المملكة العربية السعودية. ثانياً قام بتعميق العلاقات مع الصين وروسيا وتوسيع البرنامج النووي لبلاده بصورة كبيرة. وكان مخلصاً جداً لخامنئي لدرجة أنه كان يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه وريثه المحتمل.

صحيح أن خامنئي لا يزال ممسكاً بالسلطة في إيران ولا شيء سيتغيّر على المدى القريب، على الرغم من أنه يتقدّم في السن وقد بلغ الـ85 عاماً، إلا أن التوصّل إلى رئيس بديل عن ابراهيم رئيسي قد يُدخل البلد في حالة من اللااستقرار، وهذا ما يخيف واشنطن وتؤكد المعطيات الواردة من البيت الأبيض أن المخاوف حقيقية من أن تقوم ايران بالايعاز إلى الفصائل التابعة لها في الشرق الأوسط لمزيد من التصعيد وخصوصاً في ما يتعلق بالحرب الدائرة بين “حماس” واسرائيل من جهة، و”حزب الله” واسرائيل من جهة أخرى، لحجب النظر عن الوضع الداخلي في إيران حتى تتمكّن من تجاوزه من دون أن يتأثّر النظام، إضافة إلى استثمار ذلك في المفاوضات مع الولايات المتحدة في مسقط.

وما حصل مباشرة بعد وفاة رئيسي، من اجتماع بين فصائل المقاومة مع القائد العام لقوات حرس الثورة الاسلامية اللواء حسين سلامي وقائد قوة القدس اسماعيل قاآني في العاصمة طهران يؤكّد المخاوف الأميركية، ويبدو أن السياسة الايرانية ذاهبة نحو مزيد من التشدد في المرحلة المقبلة، وأن لا مكان للتهدئة اليوم، وقد أوعزت إيران الى الفصائل الاستمرار في التصعيد، نيابة عن طهران، لتمرير هذه المرحلة وربما تحقيق المكاسب إذا أمكن.

واللافت أن الأنظار ستتجّه اليوم إلى نائب الرئيس محمد مخبر القائم بأعمال رئيس البلاد الآن. فهو، مثل رئيسي، موالٍ لخامنئي. انضم مخبر إلى الادارة بعد أن أشرف على تكتلات الأعمال التي يسيطر عليها المرشد الأعلى، لكن فترة ولايته قد لا تدوم طويلاً. وبموجب الدستور الايراني، يجب إجراء انتخابات جديدة في غضون 50 يوماً، وسيتنافس عدة مرشحين على الرئاسة.

في المقابل، لا شيء مؤكّد لدى واشنطن أن الأمور لن تتدهور نحو الأسوأ، وتعتبر أن من المبكر الكلام عن تداعيات وفاة رئيسي على محور الممانعة، لكن الباحث ربيع شقير المقيم في واشنطن يوضح أن تلك “الضربة الموجعة” لايران لن تؤثر بصورة جوهرية على السياسات الايرانية في المنطقة العربية مستشهداً بعملية اغتيال قاسم سليماني. ويشير إلى أن النظام الايراني سبق وتعرض عام 1981 لحوادث أمنية وأخرى طبيعية ولم يتأثر جوهرياً، بل أدى استهداف مركز الحزب الاسلامي في العام 1981 الذي أودى بحياة 73 سياسياً إيرانياً كان بينهم الرجل الثاني في إيران حينها آية الله محمد بهجت، إلى مزيد من التمسك بايديولوجيات تيار المحافظين، مضيفاً: “حتى أن اغتيال رموز فيلق القدس وبينهم قاسم سليماني لم يشكل تهديداً وجودياً للنظام القائم على أسس الثورة الايرانية وايديولوجيات دينية وسياسية لا على أفراد، فالتوجه الايديولوجي بمثابة ضمانة وصمام أمان لاستمرار العلاقات بين طهران ومحور الممانعة، وتؤكّد المعطيات من البيت الأبيض أن الشخصيات المرشحة لخلاقة رئيسي وحسين أمير عبد اللهيان، لن تبتعد كثيراً عن هذا التوجه الايديولوجي”.

لا يختلف إثنان على أن توقيت الحادث أتى في ظل صوغ العداء الاستراتيجي بين طهران من جانب وواشنطن وتل أبيب من جانب آخر، ويبقى السؤال: هل سيؤدي ذلك الى انتقال الجانبين من مرحلة حرب الظل إلى مرحلة الحرب المباشرة؟ يجيب شقير: “ان إيران لن تتجاوز الخطوط الحمر في ما يخص الصراع مع اسرائيل، وستُكمل في استراتيجيتها المعهودة أي تحريك فصائلها للتصعيد حيناً والتهدئة أحياناً أخرى، تبعاً لمصالحها واستمرارية نظامها”.

شارك المقال