“طبخة” لودريان… لم تنضج

صلاح تقي الدين

يبدو أن الزيارة السادسة للمبعوث الفرنسي جان إيف لودريان لم تأتِ بالثمار التي كان يرجوها، فبدت كسابقاتها الخمس بحيث أن “الطبخة” التي يحاول أن يطهوها بحاجة الى المزيد من الطهي حتى لو كانت على نار هادئة، فعاد من حيث أتى بخفيْ حنين.

كثيرون عوّلوا على أن يحقق لودريان “تقدّماً” ولو بسيطاً على مسار إنضاج الحل لمعضلة الرئاسة التي انشغل في سبر أغوارها في زيارات خمس سابقة، غير أن التصلّب الذي واجهه من فريقي المعارضة والممانعة على السواء، عطّل كل محاولاته فاصطدم بحائط لن يكون سهلاً عليه هدمه، فلا نجح في الترويج للخيار الثالث من خلال إقناع رئيس تيار “المردة” سليمان فرنجية ومن خلفه الثنائي الشيعي المتمسك بترشيحه، لدفعه إلى التراجع عن نيته استكمال معركته الانتخابية، ولا قدر على أن يقنع فريق المعارضة وعلى رأسه رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع بالقبول بحوار يدعو إليه ويترأسه رئيس المجلس النيابي نبيه بري.

وتشير أوساط سياسية لموقع “لبنان الكبير” الى أن لودريان بعدما “أصبح على يقين شبه كامل بأن أزمة الرئاسة هي معضلة المعضلات في لبنان، أطلق تصريحه الشهير بأن لبنان على وشك فقدان وجوده السياسي والذي لا يبدو أنه أثر في نفوس أي من المعنيين”.

وتضيف المصادر ان وزير الخارجية الفرنسية السابق فشل في تنفيذ ما كان مكلفاً به، وجلّ ما هو قادر على فعله “رفع تقرير بملاحظاته إلى الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون لتكون لديه مادة ليست بجديدة لكنها محدّثة يضعها على طاولة مباحثاته مع نظيره الأميركي جو بايدن خلال لقائهما المنتظر على هامش الاحتفالات السنوية بمعركة النورماندي”.

غير أن الانطباع الذي يمكن أن تكون زيارة لودريان قد تركته هو أن الفشل الكبير الواضح لم يكن في عدم تحقيق أي تقدّم على صعيد تراجع الفرقاء السياسيين عن شروطهم في ما يتعلق بالمعركة الرئاسية، بل في عدم تمكنه من فك الترابط بين معركة غزة والانتخابات الرئاسية، فالشرط الذي وضعه الأمين العام لـ “حزب الله” السيد حسن نصر الله لا يزال قائماً ولا إمكان لتحقيق أي تقدّم رئاسي في لبنان ما لم يكن هناك أي تقدّم على صعيد وقف العدوان على غزة.

وبما أن الرئيس السابق للحزب “التقدمي الاشتراكي” وليد جنبلاط قد أعلن في العاصمة القطرية الدوحة بوضوح وبصراحته المعهودة بأن الحرب لا تزال في بدايتها، ربما كان على لودريان أن يؤجل زيارته إلى بيروت لأن نتائجها كانت معروفة سلفاً، خصوصاً وأن جنبلاط وقبل زيارة الدوحة كان في ضيافة الرئيس ماكرون في باريس ولا شك في أنه قد فاتحه بهذا الرأي قبل أن يعلنه، أو ربما قد يكون خرج من اجتماعه معه بهذا الانطباع.

وكان الرئيس بري قد استبق زيارة لودريان بأن قال “شكراً للخماسية” ولجهودها في محاولة تضييق فجوة الخلاف بين الفرقاء السياسيين، لكنه شدّد على أن اللبنانيين هم من يختارون ما يقررونه ولا ينفذوا ما يقرره الخارج عنهم، وبالتالي على الجميع الاقتناع بأن قرار انتخاب الرئيس العتيد يكمن في مجلس النواب بعد جلسة “حوار” أو كما تمكن لودريان من تخفيف حدّة الكلمة بجعلها جلسة “تشاور”.

وإذا كان الفرقاء المعنيون قد قبلوا بالجلوس حول طاولة تشاور إلا أن “مسمار جحا” كان في تسمية الشخص الذي يدعو إلى هذه الجلسة، بحيث أن المعارضين يرفضون أن تعقد برئاسة بري في حين أن رئيس المجلس يصرّ على أن تكون برئاسته كونها ستعقد في حرم مجلس النواب الذي يرأسه.

غادر لودريان لبنان بخفيْ حنين، ولم يتمكن من أن يحقق في زيارته ولو الحد الأدنى من النجاح، و”طبخته” على ما يبدو لا تزال بحاجة الى مزيد من الوقت لكي تنضج، وعسى أن لا يكون هذا الوقت طويلاً إذ ان في تصريح المبعوث الفرنسي باحتمال فقدان لبنان السياسي ما يبعث على التشاؤم، عسى أن لا نقع في التجربة وأن ننجو من “الشرير”.

شارك المقال