أوروبا اليمينية… هل تمادى المسلمون؟

أنطوني جعجع

في أقل من أربعة أيام، لم تعد أوروبا تشبه تلك القارة التي ينظر اليها العلمانيون على أنها مكان منفتح وعادل وآمن، وينظر اليها المهاجرون على أنها مكان مفتوح يمكن العيش فيه برحابة لا تتطلب أي تغييرات في التقاليد والعقائد والتوسع والممارسة.

وفي أقل من أربعة أيام أيضاً ذاق الأوروبيون من اللاجئين ما يذوقه اللبنانيون من النازحين السوريين، وتحولوا من مدينين في مجال “العنصرية” الى مدانين.

فما جرى في احدى وعشرين دولة خلال انتخابات البرلمان الأوروبي، نقل القارة الشقراء من مكان الى آخر، وتحديداً نقل الشعوب من سياسات العض على الأصابع الى سياسات الضغط على الحكومات التي كانت أكثر ارتهاناً لمصالحها السياسية، وأكثر تساهلاً أمام التغيير الديموغرافي الذي أفضى اليه تدفق المهاجرين من الشرق الأوسط وافريقيا من دون أي دراسة متأنية أو دراية عميقة أو أي رؤية مستقبلية.

وليس سراً أن ما جرى لم يكن منافسة ديموقراطية بين خصمين سياسيين بقدر ما كان رد فعل قاسياً ناتجاً عن تراكمات مزمنة حان وقت تفجيرها بطريقة سلمية، خشية أن تنفجر في المدى المنظور على شكل مواجهات في الشارع قد تتطور الى ما يشبه “الحروب الأهلية” كما هي الحال في لبنان.

وليس سراً أيضاً، وفق المراقبين والمطلعين على خفايا الأمور، أن رد الفعل هذا جاء نتيجة تمادي المهاجرين المسلمين في تجاهل الدساتير المتبعة وأنظمة العيش القائمة في العالم الذي لجأوا اليه والتمسك بعقيدة، لا يؤمنون بها فحسب، بل يعملون على نشرها بأي طريقة ممكنة وعبر تحركات استفزازية في الكثير من الأحيان.

وأضاف هؤلاء أن القسم الأكبر من هؤلاء لم يتوجه الى أوروبا نتيجة الاضطهاد والفقر وانعدام العدل والأمن في بلاده، بل انطلاقاً من هدفين: الأول استغلال التساهل الغربي في موضوع الحريات لتشكيل خلايا وشبكات تدعم بعض التيارات الأصولية في الشرق الأوسط ومنها “حزب الله”، والثاني اضفاء نوع من الأسلمة على المدن والبلدات والشوارع وممارسة الشعائر في الهواء الطلق ومنها على سبيل المثال لا الحصر تجمعات عاشوراء وتحريك مسيرات تكفّر الآخرين وتدعو الى التحول نحو الاسلام كدين اصلاحي وانقاذي وحيد.

والواقع أن الشعوب الأوروبية كانت تؤمن بأن حكوماتها تعرف ماذا تفعل وماذا يجري داخل بلدانها، قبل أن تكتشف أن معظم هذه الحكومات وجد نفسه أمام التزامين: الأول دستور الاتحاد الأوروبي الذي يجيز اللجوء والاحتضان حتى حدود الواجب القسري، والثاني تأمين تكتلات من الناخبين المهاجرين تسهم في بقائها في الحكم، اضافة الى الحاجة لليد العاملة التي تناقصت في شكل دراماتيكي بفعل العنوسة التي وصلت الى حد خلو بعض المجتمعات من الأطفال والنشء الجديد.

ويكشف مصدر يميني في فرنسا أن ما جرى في باريس والعواصم الأوروبية الأخرى، لا يعني المسلمين كدين بل يعنيهم كجالية ترفض الانصهار في المجتمع الذي اختاروه مكاناً للعيش، والعودة الى المجتمع الذي رفضوا العيش فيه، فانقسموا بين ضيف يعتبر الانصهار نوعاً من الارتداد أو الخيانة ومضيف يعتبر التساهل نوعاً من السذاجة أو الانتحار.

والواقع أن الجيل الجديد في أوروبا وانطلاقاً من متابعته لما يجري في الشرق الأوسط من جهة، وما يجري في المساجد والمؤسسات الاسلامية من جهة ثانية، بات يدرك أنه لا يتعايش مع مواطنين جدد، بل مع “قنابل موقوتة” قد تنفجر في أي لحظة كما حدث في باريس بعد مقتل شاب مسلم برصاص شرطي، وكما يحدث في ألمانيا حيث بات اسم محمد الاسم الأول في البلاد (الاسم الثاني في بريطانيا)، وكما حدث في السويد بعد احراق أحد المصاحف، وكما يجري في بلجيكا حيث يقترب المسلمون من اعلان قسم كبير من البلاد اقليماً اسلامياً كامل الأوصاف والمواصفات.

ويؤمن الكثير من هذا الجيل، بأن الرهان الرسمي على الجيل الثاني والثالث من المسلمين سقط في شكل دراماتيكي، عندما ذبح شاب من الجيل الثالث أستاذه في العاصمة الفرنسية نتيجة رسوم كاريكاتورية تطاول النبي محمد، وبعدما تسربت أقاويل عن أصابع اسلامية أصولية وراء احتراق كنيسة نوتردام دي باري، وبعدما تبين لدى المحققين في كثير من دول الاتحاد الأوروبي أن الفورة الاسلامية في الغرب ناتجة في جزء كبير من استراتيجية اسلامية عالمية تديرها ايران وتركيا و”الاخوان المسلمين”، اضافة الى تيارات عنفية حوّلت الكثير من المؤسسات الى ترسانات من الأسلحة والمتفجرات ومخازن من المخدرات والعملات المزورة وسواها من الموبقات.

لكن مصادر رسمية، ترفض هذا الانطباع وترى فيه الكثير من الغبن، مشيرة الى أن ملايين اللاجئين الذين أبحروا نحو أوروبا في العقدين الماضيين ليسوا جميعاً من المسلمين، وأن الكثير منهم تمادى في مخالفة القوانين وارتكاب الجرائم وتعكير صفو الأمن، من دون أن يؤسس من العداء ما تأسس في مواجهة المسلمين، عازية هذا الأمر الى انعكاس الصراع العربي- الاسرائيلي والصراع العربي- الغربي والصراع الاسلامي- المسيحي والصراع الغربي- الشرقي على الجاليات العربية والاسلامية الملتصقة بكل ما يتعلق ببلدانها من تطورات وتراكمات.

ولا تنكر هذه المصادر أن قسماً كبيراً من المسلمين يتلقى تعليماته من بيئاته وجذوره ويعتبر نفسه امتداداً طبيعياً لأقرانه في كل أنحاء العالم، وجزءاً من استراتيجية تتوخى نشر الاسلام خصوصاً في الدول التي تراجعت فيها المسيحية في شكل دراماتيكي وتحول سكانها الى مجموعات تائهة لا تؤمن بالله ولا تنتمي الى أي ديانة، مشيرة الى أن هذه الحالة تكاد تكون معدومة في الدول التي لا تزال المسيحية فيها ديناً راسخاً ومنتشراً من القمة الى القاعدة.

ويقر مرجع كبير في علم الاستشراف بأن العالم ليس في خير ولا سيما في أوروبا، محذراً من تحول الاحتقان الحالي الى انفجار أمني بين العلمانيين والمهاجرين في مكان والمسيحيين والمهاجرين في مكان آخر، وأن تتحول جيوش هذه الدول اما الى قوات قمع واما الى قوات فصل.

ويضيف أن المسلمين في أوروبا أخطأوا عندما أثاروا مخاوف الأوروبيين من الاسلام الذي ينتشر بسلام مقبول بدلاً من أن تتركز هذه المخاوف على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يحاول نشر امبراطوريته العسكرية بقوة السلاح، والذي انقضّ من دون رحمة على واحدة من أكثر الدول الأوروبية المسيحية ايماناً والتزاماً. ويختم قائلاً: “نحن اليوم أمام أوروبا جديدة تشبه أوروبا في زمن هتلر وموسوليني، ووسط أجواء تشبه الأجواء العنصرية التي سادت عشية الحرب العالمية الثانية، مع فارق وحيد يتمثل في أن عصر المجانين كان في أوجه آنذاك على عكس هذا العصر الذي لا يزال يتسع للكثير من العقلاء”.

انه المؤشر الأول لما ينتظر أوروبا، لا بل المؤشر الذي يحتاج الى أمرين لتحاشي الأسوأ، الأول مسلم لا يتمادى كثيراً في تعصبه وعلماني لا يتمادى كثيراً في عنصريته، فهل يسهم صعود اليمين المتطرف في لجم هذا وطمأنة ذاك أم يسهم في تأجيج النار بين الطرفين بحيث ما كان يمكن أن ينتهي عبر الصلاة يمكن أن ينتهي عبر السيوف؟

في اختصار يمكن القول ان ما جرى يعود الى شعوب لا يستطيع بعضها العيش بعيداً من حطين، وشعوب يستفيق بعضها متأخراً الآف السنين، فتصبح الأولى “جالية من الدخلاء”، وتصبح الثانية “مجموعة من الأغبياء”، ويصبح الاثنان ضحية ماضٍ لا نهاية له ورهائن مستقبل لا أفق له.

شارك المقال