كرامي يتحرّك “منفرداً” وخطوط سيْره “متعرّجة”

إسراء ديب
إسراء ديب

لم يُؤدِّ الحراك الطرابلسيّ والسياسيّ الذي بدأه رئيس تيّار “الكرامة” النّائب فيصل كرامي منذ فترة، إلى إحداث خرق بات مطلوباً لا سيما على الساحة الطرابلسيّة التي تحتاج فعلياً إلى تحرّكات نيابية تسعى إلى إنقاذ أبنائها من “براثن” المنظومة السياسية وما خلّفته داخل المدينة على مختلف الصعد الشعبية، الاقتصادية والأمنية. فهذه المدينة التي تشتكي أخيراً من انتشار آفة المخدّرات ومن تسلّط الأسلحة المتفلّتة وتحكّم “المافيات” التي وظّفتها قوى سياسيّة داخلية لإثارة الفتن والذعر بين المواطنين عند اللزوم، بعد تحوّلها من قادة محاور إلى شبيحة وفارضي “خوّات”، تحتاج إلى تحرّك سريع وتدخّل عاجل سياسياً وأمنياً.

ولا يتحمّل النّائب كرامي وحده هذه المسؤوليّة التي على كلّ نواب طرابلس تحمّلها عبر إعادة إجراء لقاءات مكثفة “بلا أعذار”، كتلك التي كانت تُعقد بعد نجاحهم في الانتخابات النّيابية، لكنّ تلك اللقاءات التي لا يخفى على أحد أنّها “لم تُثمر شيئاً” ميدانياً، توقّفت على الرّغم من أهمّية تمسّك القائمين عليها بمبدأ الوحدة والجماعة، حتّى ولو بالقول لا بالفعل، وذلك منذ إبطال نيابة رامي فنج وقبول الطعن لصالح النّائب كرامي الذي استعاد نيابته، لكنّه لم يتقبّل جلوسه على طاولة واحدة تجمعه مع نائب “القوّات” إيلي خوري نظراً الى العداء “التاريخيّ” بينه وبين الحزب بعد قضية استشهاد الرئيس رشيد كرامي التي لا يزال يتأثّر بها أبناء المدينة، في وقتٍ يرى فيه بعض القواتيين أنّ “كرامي يستغلّ قضيّة عمّه سياسياً ويُوظّفها لغايات شعبوية، مع أنّ القضايا التي تُواجهها مدينته صارخة وتحتاج إلى حلّ”.

وفق المراقبين، فإنّ كرامي الذي عجز عن طيّ صفحة “القوات” لأنّه يعتبر أنّها ارتكبت جريمة حرب، وفتحت احتفالاً بإنجازها زجاجات “الشمبانيا”، لا يتمكّن من “لمّ شمل” جميع نواب مدينته إلّا “بإرادته”، إذْ يرى المراقبون أنّ كرامي شكّل خطاً منفصلاً يعرض من خلاله مشكلات مدينته ويسعى إلى حلّها لا باقتراح قانون، بل باتصال من هنا، ولقاء من هناك، بطريقة تُبعده عن بعض نواب المدينة، فيتحرّك ضمن محيطه وخطّه السياسي (من قريب أو من بعيد)، متجنّباً “التصادم” مع مواقف وشخصيات تُعارض موقفه المؤيّد للمقاومة ضدّ العدو من دون إعلانه عن نصرة الحزب، كي لا يصطدم بأيّة معارضة أخرى أو تساؤلات يعتقد أنّها ستُبعده عن إرث مدينته وآل كرامي والمسؤولية الكبرى الملقاة على عاتقه منذ أعوام، فيتصرّف على هيئة الراغب في الوصول إلى الزعامة السنّية التي يحلم بها كلّ سنيّ، وتُعدّ زيارته إلى صيدا ومناطق أخرى خير دليل على تمسّكه بهذا الطموح، وفي الوقت عينه، يصطدم بالثقل العائلي الذي يربطه بشدّة بوالده وعمّه اللذين احترفا “جمع الأضداد” بأسلوب ذكيّ.

والده عمر لم يتحمّل يوماً أن يُملي أحدهم أوامره عليه، حتّى ولو كان الرئيس السوري، فكان صريحاً للغاية، ونستذكر حين فضح كرامي، الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصر الله الذي دعاه شخصياً ليترأس الحكومة العام 2011، وبعد رفض كرامي وطلب نصر الله منه التفكير في الأمر، فوجئ كرامي بتكليف الرئيس نجيب ميقاتي لتشكيل الحكومة بأوامر نصر الله الذي زعم أنّ كرامي طلب إعفاءه بداعي المرض، ليقول: “استمعت للسيّد حسن في الخطاب الذي رثاني فيه، واليوم أنا أمامكم، واستشهد بكم كإعلاميين، أنا أمامكم فهل تروْنني مريضاً؟ ولكن على كلّ حال، نحن لآخر نفس في خدمة هذا البلد”، وهي الاستراتيجية عينها التي يُحاول نجله توارثها واتباعها، بصعوبة، بتلميح وتنويه، فهو غالباً ما كان يرفض تصنيفه ضمن قوى 8 آذار مثلاً، لكنّ مواقفه السياسية لم تكن صريحة في مواجهة هذه القوى الممانعة محلّيًا “إذا اقتضى الأمر”، لكنّه كان يُواجه “القوّات” بصراحة، و”المستقبل” وهيمنته بطلاقة، من دون التطرّق “علناً” وبأمانة الى مآس ارتكبها “حزب الله” في سوريا ولبنان.

واتضحت هذه الصعوبة أيضاً في ذكرى استشهاد عمّه الـ 37، بحيث تمكّن كرامي من جمع أربعة نواب من طرابلس وهم: طه ناجي، كريم كبّارة، حيدر ناصر وجميل عبود، فيما اعتذر نواب آخرون عن الحضور، ما يُشير إلى قدرته على جمع مناصري خطّه السياسيّ أكثر من قدرته على جمع “الأضداد” في دارته التي استقبلت مسبقاً رئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل، وفي منطقته الثانية أيّ الضنية التي يُجري لقاءات وجولات مستمرّة فيها.

إلى ذلك، لا ينكر أحد أنّ كرامي سجّل تحرّكات عدّة، آخرها تقديمه اقتراح قانون بعنوان “التسوية العادلة لتعويضات نهاية الخدمة في الضمان الاجتماعي”، لكن يلفت المراقبون إلى أنّ الإشكالية تكمن في رغبته بحلّ مشكلات مدينته “منفرداً”، كقضية المولّدات الكهربائية، أو قضية فلتان السلاح اللتين ذُكرتا ضمن مقابلة أجريت معه منذ فترة، وحذّر فيها من تقارير أمنية وردت إليه عن توترات أصابت بعض الأحياء بين مجموعات مؤيّدة لـ “حزب الله” وأخرى سلفية في المدينة، مبدياً قلقه من نقل هذه المواجهات من طابع فرديّ إلى طابع سياسي وإقليميّ، ولم يُبادر الى تسجيل تحرّك إلّا ضمن نطاق توجيهه اتصالات أمنية وسياسية، لكن الواقع يُؤكّد أن لا فاعلية لها من دون مواجهة من يُخلّ بأمن المدينة من جهة، ومن دون “الجماعة” من جهة ثانية، ويُقصد منها إجراء مبادرة سياسية طرابلسية، مطلوبة منه كما من مختلف النواب، مع ضرورة مدّ دار الفتوى شمالاً يدها لتوثيق صحّة المبادرة ومباركتها بخطوات عمليّة.

شارك المقال