منذ تولي الرئيس الشهيد رفيق الحريري رئاسة حكومته الأولى عام 1992، لمس الاستياء العارم والشعور بالمظلومية لدى الأوساط المسيحية، الشبيهين الى حد كبير بما كان يشعر بهما سنة لبنان قبل دخول الحريري نفسه الى السلطة، معيداً بحجمه الوازن محلياً وخارجياً الاعتبار الى الطائفة في المعادلة السياسية الداخلية.
وكان الحريري يدرك تماماً خطورة ما يمر به المسيحيون، خصوصاً بعد حربي “الإلغاء” و”التحرير”، فضلاً عما تم الاتفاق عليه في الوثيقة الوطنية التي أقرت في الطائف من إنتقال عدد من صلاحيات رئيس الجمهورية إلى مجلس الوزراء مجتمعاً، تكريساً للنظام الديموقراطي البرلماني، ضمن سياق عام لتحقيق التوازن داخل النظام السياسي اللبناني.
وما زاد من قلق الحريري لاحقاً على دور المسيحيين في الحياة السياسية، إبعاد قياداتهم التي تتمتع بتمثيل واسع، ما قد يتسبب بخلل في التوازن الوطني والميثاقي، بحيث ان من شأن ذلك، أن يعوق تحقيق مشروعه الوطني المتكامل، الذي يرتكز بصورة أساسية على التوازن والمناصفة والمشاركة والوحدة الوطنية والعيش المشترك. ففي تشرين الأول من العام 1990 أطيح الجنرال ميشال عون، الذي ظل متشبثاً بمنصب رئيس الوزراء في مجلس مؤلف من ثلاثة أشخاص كلهم ضباط مسيحيون، وطرد من بعبدا خلال عملية عسكرية نفذها الجيش اللبناني بدعم فاعل من الجيش السوري، الذي استخدم سلاح الجو، فانتقل الى السفارة الفرنسية، ومنها الى باريس كلاجئ سياسي. وفي شباط 1994، وبعد 5 أشهر من تولي الحريري منصب رئيس الوزراء، اعتقل قائد “القوات اللبنانية” سمير جعجع بسبب اشتباه بأنه دبّر تفجير كنيسة الذوق، واعتبر العديد من اللبنانيين أن التهمة مدبرة وحوكم جعجع في وقت لاحق بسبب جريمة أخرى، وكان قد طلب منه الانضمام الى حكومة الحريري الا أنه رفض ذلك على الرغم من أن المنصب الوزاري كان سيمنحه الحصانة من المحاكمة. وبين هذين الحدثين، جرت إنتخابات نيابية عام 1992، وسط مقاطعة مسيحية واسعة، تعبيراً عن رفض القيادات المسيحية للقانون الذي إعتمد.
هذه العوامل مجتمعة، كانت كافية لإحداث استياء واسع في أوساط المسيحيين. ففي ظل تغييب رجال السياسة المسيحيين، الذين يتمتعون بصفة تمثيلية للشارع المسيحي، على الرغم من الخلاف السياسي العميق والجذري المبدئي مع بعضهم البعض، وإنطلاقاً من هاجسه بحماية الوجود والدور المسيحي، تمكن الحريري بألمعيته السياسية، من أن يستعيض عن تغييبهم، ويعوّض الفراغ الذي تركوه، بأن يبني علاقة تواصلية دائمة ومتينة مع البطريرك الراحل مار نصر الله بطرس صفير، ومع المطران إلياس عودة، مكرّساً إياهما مرجعيتين وطنيتين للمسيحيين في ذلك الظرف الإقصائي لقياداتهم.
وكان المسيحيون الواعون والعارفون ببواطن الأمور يرون فيه رجلاً ليبيرالياً وصديقاً للغرب والعرب، ويؤمن بالنظام الحر والمبادرة الفردية. أما الآخرون الذين يؤخذون بالشائعات والتحريض في بلد تُصنّعُ فيه المخابرات الرأي العام، فراحوا يتّهمونه بـ “أسلمة” لبنان. ولمزيد من الحماية للوجود المسيحي في لبنان، حرص على نسج علاقة وثيقة بالفاتيكان، حيث كان على تواصل دائم مع رأس الكنيسة الكاثوليكية في العالم والدوائر المختصة بشؤون الشرق الأوسط.
وهذا ما يمكن إستشرافه بدقة من خلال عدد المرات التي التقى فيها الحريري بابا الفاتيكان، وكان محور اللقاءات يتركز على ضرورة المحافظة على لبنان الرسالة الفريدة في المنطقة. وبلغت ذروة هذا الدور للرئيس الشهيد في تمكنه من إقناع البابا بزيارة لبنان، ولبّاها في 10 أيار 1997 في أحلك ظرف كان يعيشه مسيحيوه المحبطون جراء الشعور بالإقصاء وتحجيم دورهم السياسي، بحيث بذل جهوداً جبارة لتهيئة ظروف الزيارة التاريخية للبابا الى لبنان وأجوائها، ما أعاد بث الروح إلى المسيحيين، الذين إستعادوا ثقتهم بمستقبلهم ووطنهم.
ولمزيد من إشراك المسيحيين في مشروع إعادة بناء لبنان، وفي محاولة من الرئيس الحريري لتكريس بقائهم في وطنهم وتثبيته، كان حريصاً على أن تكون المؤسسات المصرفية والاقتصادية والهندسية والإعمارية المملوكة من مسيحيين، لها الأولوية وحصة الأسد في تنفيذ اعادة البناء، حتى أنه ساعد رجال أعمال مسيحيين على تأسيس شركات للمشاركة في عملية البناء، كما حثّ للغاية ذاتها على أن تفتح شركات كبرى تعمل خارج لبنان وتعود ملكيتها لمسيحيين فروعاً لها في لبنان.
هذا المنحى الوطني الميثاقي في أداء الحريري، دفع ببعض الأجهزة إلى إفلات أبواقه من المسيحيين لشن حملات مسمومة تتهم الحريري بـ “أسلمة” لبنان، والقضاء على الدور التاريخي للمسيحيين. لكن تلك الحملات لم تلقَ آذاناً صاغية لدى المسيحيين الواعين والعارفين ببواطن الأمور، لقناعتهم وإدراكهم توجهات رفيق الحريري الوطنية، وحرصه الشديد على أن لبنان لا يستقيم الا على قاعدة التوازن الوطني التعددي لمختلف الفئات اللبنانية، وهو صاحب شعار “أوقفنا العد”.


