واشنطن تفقد قبضتها على الشرق الأوسط؟

حسناء بو حرفوش
البحرية الاميركية

في الوقت الذي يستمر فيه شد الحبال بين إسرائيل وإيران في منطقة الشرق الأوسط، تكاد الولايات المتحدة تصبح حسب قراءة في موقع “جيروزاليم بوست”، الخاسر الحقيقي في هذه المواجهة. القراءة العبرية انتقدت “ارتداء الولايات المتحدة عباءة حفظ السلام العالمي وإنفاذ النظام لسنوات. وقد ترسخ هذا الاعتقاد بعمق في السرد السياسي لدرجة أنه دفع الجيش الأميركي مراراً وتكراراً إلى حروب لا علاقة لها بأميركا نفسها، ناهيك عن أي تأثير مباشر على الأمة”.

وربط المقال هذا الدور بالانجرار الأميركي إلى حروب بلا طائل، أشهرها “هي حرب فيتنام، التي امتدت لأكثر من 20 عاماً، من عام 1955 إلى عام 1975. وقد وضعت فيتنام الشمالية الشيوعية، بدعم من الاتحاد السوفياتي والصين، ضد فيتنام الجنوبية والولايات المتحدة.

بدافع من الخوف الهستيري من التوسع الشيوعي في جنوب شرق آسيا، دخلت الولايات المتحدة حرباً لم تكن حربها، وخسرت عدداً لا يمكن تصوره من الجنود لا يقل عن 58220.

وبعد عقدين من القتال والمعارضة العامة المتزايدة، وافقت الولايات المتحدة أخيراً على سحب جميع قواتها. وفي وقت لاحق من ذلك العام نفسه، اتخذ الكونغرس خطوة أبعد، فحظر جميع العمليات العسكرية الأميركية في الهند.

وتكرر النمط نفسه على مر السنين، حسب ما تكمل القراءة، مع تدخل الولايات المتحدة في العديد من الحروب والصراعات الأخرى. وهذه إحدى السمات المميزة التي وضعت الولايات المتحدة في مكانتها باعتبارها القوة العظمى العالمية المسؤولة عن الحفاظ على النظام العالمي أو على الأقل تقليل الأضرار. وعندما تتصاعد التوترات بين الدول، تتدخل الولايات المتحدة عادة بسرعة، وتحاول الخروج بالسرعة نفسها، وبأقل الخسائر. وهي تتفوق في هذا أيضاً.

ولكن ماذا يُفترض أن تفعل الولايات المتحدة عندما يكون هناك توتر طويل الأمد ولكن لا أحد يضغط على الزناد؟ هذا الفراغ يترك الولايات المتحدة من دون طريق واضح للتدخل لتأكيد هيمنتها. والأسوأ من ذلك، أنه يشير إلى أن واشنطن ربما لم تعد القوة الحاسمة التي كانت عليها ذات يوم في الشرق الأوسط.

السؤال الحاسم الذي يطرح نفسه هو: هل تفقد الولايات المتحدة قبضتها على الشرق الأوسط؟

في الشهر الماضي، في 31 يوليو/تموز، بعد ساعات قليلة من مقتل زعيم حماس إسماعيل هنية في عملية إسرائيلية في طهران، اعترف وزير الخارجية الأميركي أنتوني ج. بلينكن بأن الولايات المتحدة لم تكن متورطة ولا على علم بالعملية مسبقاً.

يرمز مثل هذا البيان، بالنسبة الى العديدين، الى فقدان السيطرة على العلاقة المتزايدة التعقيد والتقلب بين إيران وإسرائيل. وقد أثار تساؤلات جدية حول التداعيات السياسية والاقتصادية والأمنية لهذا الواقع.

عندما تتصرف إسرائيل بصورة مستقلة، من دون تنسيق أو إخطار مسبق لواشنطن، فإن هذا يشير إلى أن الديناميكيات قد تحولت. إن السياسة الخارجية الأميركية، التي كانت ذات يوم مبنية على النفوذ والديبلوماسية، تبدو الآن أضعف – ما يشجع اللاعبين الاقليميين الآخرين على التصرف بصورة مستقلة وزعزعة استقرار المشهد السياسي. وفوق كل شيء، قد يشير هذا إلى تآكل واضح للمكانة الديبلوماسية للولايات المتحدة كوسيط أساسي في الصراعات الجيوسياسية الحرجة.

كما تثير التطورات الأخيرة أيضاً الشكوك حول موثوقية المعلومات الاستخباراتية التي تتلقاها الولايات المتحدة من حلفائها، وخصوصاً إسرائيل، على الرغم من العلاقات القوية والدائمة بين الطرفين.

التداعيات الاقتصادية والأمنية لتراجع نفوذ أميركا في الشرق الأوسط

قد يكون للخسارة المحتملة للسيطرة الأميركية على الصراع الاسرائيلي الايراني الحاسم عواقب وخيمة على الاقتصاد العالمي، وخصوصاً في أسواق الطاقة. وتسلط الأحداث الأخيرة الضوء على أهمية الاستقرار السياسي في المنطقة، والذي يؤثر بصورة مباشرة على أسعار الطاقة، وأسواق الأوراق المالية والاقتصاد العالمي.

على الصعيد الأمني، يفرض سعي إسرائيل إلى الاستقلال في عملياتها العسكرية في الشرق الأوسط تحديات كبيرة على الولايات المتحدة، فقد تجد نفسها في مواجهة تصعيد غير متوقع أو صراع واسع النطاق بين البلدين.

كما يفرض الوضع الأمني ​​المتقلب في الشرق الأوسط على الولايات المتحدة أيضاً حماية مصالحها الاستراتيجية في المنطقة. وإذا ما ردت إيران بصورة أكثر عدوانية على العمليات العسكرية الاسرائيلية، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى التدخل عسكرياً أو ديبلوماسياً لمنع اندلاع صراع أوسع نطاقاً.

وتؤكد هذه التداعيات الاقتصادية والأمنية على الحاجة الملحة لعمل الولايات المتحدة على تطوير استراتيجيات ديبلوماسية وأمنية جديدة للحفاظ على نفوذها واستقرارها الاقليمي. ولابد من أن تتكيف مثل هذه الاستراتيجيات مع سيناريو “توازن الرعب” – قبل اندلاع حرب شاملة”.

شارك المقال