جبهات الصراع من إيران مروراً بغزة وصولاً إلى جنوب لبنان ليست خارجة عن السيطرة، وهذا ما أصبح مثبتاً في الوقائع والمواجهات في الميدان، ولا شك في أن الولايات المتحدة الأميركية تمسك بكل خيوط اللعبة، لأن لا أحد يستطيع أن يلعب “صولو” سواء كانت اسرائيل أو إيران أو “حماس” أو “حزب الله”، لذلك فهم الجميع سيناريو الاشتباك على خط التوتّر العالي بين اسرائيل و”الحزب” يوم الأحد، ولم يخرج الطرفان عن الحدود المرسومة والتزما بها بأقل خسائر ممكنة، مع حفظ ماء الوجه لكل منهما.
والمعلومات الواردة من واشنطن تحدثت عن تحذيرات نُقِلت من الادارة الأميركية الى كل أطراف النزاع بأن الوقت ليس مناسباً لإغراق الشرق الأوسط في حرب شاملة. علماً أن اسرائيل “والحزب” لديهما الف سبب وسبب لعدم الإنجرار الى مثل هذه الحرب على الرغم من أن الاشتباك يوم الأحد الفائت شهد استخدام أكبر عدد من الأسلحة والذخائر منذ 8 تشرين الأول 2023، إذ أرسلت اسرائيل 100 طائرة حربية وضربت خلال 7 ساعات 40 موقعاً لـ”الحزب”، وكان واضحاً أنها حاولت تجنّب ايقاع ضحايا مدنيين في الجنوب اللبناني أكثر بكثير مما تفعل في غزة. وهذا ما أكّده وزير خارجيتها يسرائيل كاتس، معتبراً أن حكومته ليست لديها أي مصلحة في مثل هذه المعركة الوجودية مع “الحزب”.
ويرى بعض المراقبين العسكريين السابقين في الولايات المتحدة أن ردّ “الحزب” كان “فولكلورياً”، إذ أطلق ما لا يقل عن 320 صاروخاً وعدداً كبيراً من الطائرات من دون طيار، لكنه لم يتسبب إلا في حفنة صغيرة من الإصابات. ويعتبر هؤلاء أن مصداقية “الحزب” ضعيفة جداً وخصوصاً عندما قلّل من تأثير الغارات الاسرائيلية الاستباقية على منصات صواريخه وقواعده العسكرية، لافتين إلى أن هذا الردّ ليس لمعاقبة اسرائيل بقدر ما هو لرفع معنويات بيئة “الحزب” وأنصاره الذين أحبطتهم عملية اغتيال القائد العسكري فؤاد شكر في قلب الضاحية الجنوبية.
في المقابل، تتهيّب اسرائيل شنّ حرب مفتوحة مع “الحزب” في حين أنها لم تتمكّن من القضاء على “حماس” تماماً في غزة، مع دفع الضفة الغربية إلى شفير انفجار أوسع نطاقاً للعنف من المستوطنين المتشددين.
وقد تلقّت اسرائيل نصائح عسكرية رفيعة المستوى بأنها لن تكسب الحرب مع “الحزب” من دون غزو بري، وهو ما قد يكلّف الاسرائيليين الكثير من الخسائر البشريّة، على الرغم من التحسينات التي أدخلت على الدبابات الاسرائيلية، فهي لا تزال تعتبر عُرضة للكمائن. إضافة إلى أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ليس من مصلحته حسم الصراع في الوقت الحاضر، واستمراره يساعده في إبعاد شبح المحاسبة من الناخبين والمحاكم في قضايا الفساد. لذلك لن يتوقّف عن شنّ الغارات الجوية على مواقع “الحزب” من دون أن يتورّط في إرسال جنود مشاة عبر الحدود أو استفزاز “الحزب” للهجوم صاروخياً على تل أبيب أو مدن أخرى.
أما “الحزب” فيرى مصلحته في المحافظة على المكتسبات الداخلية اللبنانية، وفق محلل أميركي متخصص في شؤون التنظيمات العسكرية، معتبراً أنه سيخسر كل شيء إذا اندلعت حرب واسعة مع اسرائيل، وقد علمنا من دوائر مرتبطة بوزارة الخارجية الأميركية أن “الحزب” تراجع عن إطلاق 6000 صاروخ على إسرائيل بعد أن أبلغته جهات ديبلوماسية نيّة إسرائيل تدمير كل القرى الشيعية في الجنوب وتسويتها بالأرض على غرار منطقة غزة في فلسطين، في حال أقدم على تنفيذ تهديداته، لذلك اقتصر الرد على 300 صاروخ كاتيوشا قصير المدى لا يتجاوز الـ 15 كيلومتراً، وقد تلقى نصائح من مرجعيته الايرانية التي لا تبدو مستعدة لحرب شاملة أيضاً، حتى أنها أرجأت في الوقت الحالي ردها انتقاماً من عملية الاغتيال التي قامت بها إسرائيل ضد رئيس المكتب السياسي لـ”حماس” اسماعيل هنيّة في طهران.
لكن الادارة الأميركية، على الرغم من تحكّمها بالوضع العام في الشرق الأوسط اليوم وخصوصاً الصراع الدائر في غزة وجنوب لبنان، إلا أنها تشعر بالقلق من ارتكاب أي خطأ متهوّر، تنزلق فيه الأمور إلى ما لا تُحمد عقباه، لذلك لا تتوقّف عن ارسال ديبلوماسييها من كل المستويات إلى اسرائيل ولبنان وقطر ومصر، إضافة إلى مفاوضاتها المتقطّعة مع إيران في أماكن عدة.
لقد نجحت إدارة الرئيس جو بايدن حتى اليوم في منع حرب غزة من التحوّل إلى حريق إقليمي، وهذا إنجاز لا بد من الاعتراف به، مع إرسال قوات عسكرية كبيرة إلى المنطقة في حال خرجت الأمور عن السيطرة، وهي تسعى الى نزع فتيل الإنفجار بالكامل عبر تفاهم بين اسرائيل و”حماس” يقضي بوقف اطلاق النار في غزة مقابل الإفراج عن الرهائن، وهذا ما قد ينعكس هدوءاً واسترخاء على جبهة الجنوب اللبناني، تمهيداً لبدء مفاوضات حول الحدود بين اسرائيل ولبنان.
لكن مصادر ديبلوماسية تؤكّد أن هذه المعادلة الأميركية لا تبدو ناجحة، بل يعوقها تصلّب كل من نتنياهو وزعيم “حماس” يحيى السنوار.
إنطلاقاً من هذه المعطيات، لم يتجاوز لبنان مرحلة الخطر، ولو أن التصعيد يوم الأحد الفائت كان مضبوطاً على الساعة الأميركية، إلا أن الاشتباكات بين لبنان واسرائيل لن تتوقّف، على الرغم من أن الأمين العام لـ “حزب الله” حسن نصر الله الذي يهيمن على قرار السلم والحرب خلافاً لإرادة جميع اللبنانيين، طمأن الى أن الخطر زال في هذه المرحلة وقد اعتبر بعض المعارضين اللبنانيين كلامه أشبه بصكّ استسلام. مع ذلك، لا أحد يعرف حسابات نتنياهو ومتغيّراتها، وربما الحل الوحيد لعودة الاستقرار الحقيقي هو تطبيق “الحزب” القرار 1701، ونزع كل الذرائع من نتنياهو إذا أراد التصعيد في المستقبل.


