ثمة من يتّهم المعارضة بأنها فاقدة لحسّ المبادرة وتعتمد سياسة رد الفعل، والبعض يعتبر أنها تجلس على ضفة النهر بانتظار جثة “حزب الله” في خضم الصراع الكبير في المنطقة، مراهنة على أنه لن يكون لمصلحته في ظل الحرب الكبيرة التي تشنّها اسرائيل عليه بعدما أدخل نفسه في أتون النار عندما فتح جبهة إسناد لقطاع غزة فيما تعارض أكثرية الشعب اللبناني هذه “الجبهة” التي لا يتحمّلها لبنان سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.
قد تكون مقاربة أن الحرب لن تكون لمصلحة “الحزب” واقعيّة لأسباب عدة، لكن مصادر مطلعة في المعارضة تؤكد أنها لا تراهن على شيء في ما يخص الصراع بين اسرائيل و”الحزب”، وموقفها منذ 8 تشرين الأول 2023 كان واضحاً لجهة تجنيب لبنان هذا الحريق الإقليمي لأن لا مصلحة له في الإنخراط فيه، لافتة إلى أن طالمعارضة دعت الحزب مراراً وتكراراً إلى تطبيق القرار 1701، كي لا يسمح لاسرائيل بتدمير لبنان عموماً والجنوب خصوصاً، لكن كل النصائح والدعوات لم تلقَ آذاناً صاغية، بل تمسّك الحزب بمصادرة قرار السلم والحرب خلافاً لإرادة جميع اللبنانيين، وضرب الموسم السياحي في لبنان وبلغت الخسائر في الجنوب ولبنان ملياري دولار، إضافة إلى خسائر بشريّة كبيرة، من دون أن يفيد قطاع غزة بشيء”.
وعلى الرغم من كلام المعارضة التي ترفض مبدأ المراهنة على المواجهات الحالية علّها تؤدي إلى إضعاف “الحزب” وتحجيمه، لا تنفي مصادرها أن “الحزب وضع نفسه في مكان لا يُحسد عليه، ولتوخي الدقة، وضعته إيران في موقف حرج، لأنها عاجزة عن توسيع الحرب وتنتظر مكاسب من المفاوضات مع الولايات المتحدة، مراهنة على فوز المرشّحة الديموقراطية كاميلا هاريس، لأن التجربة مع المرشّح الجمهوري دونالد ترامب كانت عقيمة، وعاشت إيران كابوس ضرب منشآتها النووية خلال عهده”، مشيرة إلى أن “الحزب فُرِضَت عليه الحرب، وكل معادلة قواعد الاشتباك كانت بمثابة رسالة لإفهام اسرائيل أنه لا يريد توسيعها، ولم يكتف بذلك، بل أرسل مع كل الموفدين الأميركيين والأوروبيين رسائل أنه لن يوسّع الحرب، فيما اسرائيل تلعب بهامش أكبر، وتستغل الضوابط التي يتقيّد بها الحزب لتوجيه ضربات نوعية إليه وصلت إلى قلب الضاحية الجنوبية عندما اغتالت قائده العسكري فؤاد شكر”.
من الواضح أن اسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو أظهرت مراراً وتكراراً تصميمها على توسيع الحرب، خلافاً لكل التحذيرات من الادارة الأميركية. وترى مصادر المعارضة أن “من يغتال إسماعيل هنية في طهران يعني أنّه يريد توسيع الحرب، وأيّ دولة تحترم نفسها، غير إيران، لكانت أعلنت الحرب لا ضبط النفس، ومَن يغتال فؤاد شكر في الضاحية يعني أيضاً أنّه يريد توسيع الحرب، ولو كان الحزب قدّا لكان ردّ فوراً مستخدماً آلاف الصواريخ التي يتحدّث عنها، ولكنّه اكتفى بردّ محسوب بدقّة وبعد شهر تقريباً على الاغتيال”.
لا شك في أن “حزب الله” ومعه كل محور الممانعة أظهر ضعفاً في مواجهة اسرائيل وانكشفت أمام الرأي العام العربي واللبناني هزالته ووهنه وزيف شعاراته ومزايداته على الدول العربية، بأنه غير قادر على إزالة اسرائيل من الوجود، بل غير قادر على حماية نفسه، وتعتبر مصادر المعارضة أن “الحزب” يعرف أن جبهة المساندة خطأ وهو غير مؤهل لها، لكن القرار الإيراني ألزمه بالدخول في هذه الحرب.
وبعدما كانت اسرائيل قبل 8 تشرين الأول 2023، متساهلة مع وجود عناصر “الحزب” على حدودها الشمالية، لن ترضى أن توقف الحرب إلا بإبعاد خطر “الحزب” عن حدودها الشمالية، وتؤكّد مصادر المعارضة أن “هذا يعني أيضاً أنّ الحدود اللبنانية مع إسرائيل ستعود إلى لبنان للمرة الأولى منذ العام 1969، وهذه هزيمة لإيران والحزب”. وتكشف أن هناك تململاً كبيراً في بيئته بعد اغتيال اسرائيل شكر واضطرارها إلى ترك منازلها وقراها، فإضطر “الحزب” إلى الردّ وطلب نصر الله بعد ساعات من الناس العودة، وستبقى بيئته “الإيد يلي بتوجعه”، ولا يستطيع قطعها ولا إهمالها، ويفترض التمييز بين عدم اكتراثه لوضع البلد وعدم قدرته على إهمال بيئته كونها الأرض التي يقف عليها، علماً أن هذه البيئة تعتبر عاملاً ضاغطاً عليه لأنها تعد الضحايا وتحصي الخسائر ودمّرت منازلها وقراها.
أمام هذا الواقع الذي يفرض نفسه، توضح مصادر المعارضة أن “ليس من مصلحة البلد في ظلّ الظروف القائمة أن نلجأ إلى التصعيد وتوتير الساحة المحلية، ليس خوفاً من الحزب، إنما الحدث اليوم هو اقليمي بسبب إقحام الحزب لبنان فيه، وبالتالي علينا التمسّك بموقفنا الرافض لما يفعله في الجنوب والعمل مع المجتمع الدولي لعدم تمدد المواجهات على كل المساحة اللبنانية، لأن لبنان غير قادر على تحمّل أضرار حرب كبيرة، فيما الحزب يُستنزف ولن تكون أي تسوية لمصلحته كما يظنّ، فهو بدا عاجزاً وسلاحه غير فاعل وقد أسقط بنفسه معادلة المقاومة قادرة والجيش عاجز”.
ما إن تنتهي الحرب، ستكون المعارضة أمام لحظة مهمة، وهي الافادة من الوضع الاقليمي الجديد الذي يُرسم للمنطقة من أجل استعادة الدولة ومقوّماتها الاستراتيجية وإعادة الإعتبار الى الدستور، أو قد ندخل في المجهول وحالة من الفوضى الداخلية عبر انتقال “الحزب” بقدراته العاجزة عن مواجهة اسرائيل، إلى تطويع القوى السياسية الداخلية ليكرّس نفسه حاكماً للبلد بصورة شرعيّة، لكن لا شيء يوحي بأن مهمته ستكون سهلة، لأن أكثرية اللبنانيين معارضة لمشروعه، والرياح الدولية والاقليمية لن تكون لمصلحته.


