لماذا لا توجّه واشنطن ضربة قاضية للحوثيين؟

جورج حايك

يُعتبر الحوثيون نموذجاً فعّالاً عن الأذرع العسكرية الايرانية في المنطقة، وقد تمكّنوا تحت شعار “إسناد غزة” من تسديد ضربات موجعة للمعسكر الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية وإرباكه عبر ضرب التجارة الدولية والملاحة البحرية في المنطقة، وتوجيه صواريخ باليستية إلى اسرائيل، وربما إرسال مقاتلين إلى سوريا ولبنان لاستخدامهم في أي مواجهة لمحور الممانعة مع تل أبيب.

لا يُمكن القفز فوق حقيقة فعاليّة الحوثيين نظراً إلى موقعهم الاستراتيجي المطلّ على البحر الأحمر حيث تمرّ السفن البحرية التجارية، فيستهدفونها بالصواريخ أو المسيّرات أو بعمليات سطو، وهذا ما تكرر كثيراً في الآونة الأخيرة، والهدف هو الضغط على اسرائيل لوقف عدوانها على غزة، كما يُعلن الحوثيون.

لكن في الواقع، لا علاقة لإسرائيل بما يفعله الحوثيون، لأن التنظيم اليمني يتوسّل الأعمال التخريبية لمصلحة إيران التي تعتبر مرجعيّته وتدعمه كما تدعم “حزب الله” و”الحشد الشعبي العراقي” و”حماس” وغيرها. ولا شك في أن ايران هي المستفيدة الأولى منه لتعزيز أوراقها التفاوضية في المنطقة، لكن لا بد من الإعتراف بأن جزءاً من قوة الحوثيين هي ضعف المعسكر الغربي في مواجهتهم والقضاء على منظومتهم العسكرية، فالضربات الأميركية والبريطانية المشتركة لم تضعف قدرات التنظيم الموالي لإيران على الرغم من أنها دمّرت أكثر من 300 صاروخ وقاذفة، بالاضافة إلى مباني التخزين والدعم، ومباني تخزين المسيّرات، ومباني الاتصالات، ومرافق التخزين تحت الأرض، ومحطات المسيّرات. ويلفت نائب أميركي جمهوري سابق إلى قلّة فعالية هذه الضربات لأن هدفها ليس القضاء على الحوثيين، وغياب القرار الفعلي لدى إدارة الرئيس جو بايدن لحسم المعركة معهم، ما دفع الحوثيين إلى المزيد من تنفيذ الضربات النوعية، وربما كانت الضربة الاسرائيلية لميناء الحديدة الأكثر جديّة ووجعاً للحوثيين، مع ذلك لم يتراجعوا، بسبب حاجة إيران الى نشاطات كل أذرعها العسكرية.

والقطبة المخفيّة في الموضوع، وفق النائب الجمهوري السابق، أن “إيران كانت تعيد إمداد الحوثيين كلّ مرة يتعرضون لضربة مؤلمة، ولدينا معلومات أنه بين 7 تشرين الأول 2023 و11 كانون الثاني 2024، تلقّى الحوثيون ما لا يقل عن أربع سفن إمداد كل منها قادرة على نقل 30 طناً من الامدادات، يخفونها داخل متاهة الجبال والوديان الضيقة في شمال غرب اليمن وداخل المناطق الحضرية المكتظة بالسكان. لذلك هم يواصلون مفاجأة الولايات المتحدة، وبرأينا كحزب جمهوري أن كل هذه الضربات من أميركا والحلفاء للحوثيين لن تفيد إذا لم توجّه ضربة قوية وصادمة الى إيران، فهي رأس الأفعى”.

في المقابل، يبدو أن الحوثيين فشلوا في الادارة الاقتصادية في المناطق التي يسيطرون عليها في اليمن، وباتوا ضعفاء سياسياً في الداخل اليمني، لكن لعبة دعم الفلسطينيين في غزة أكسبتهم بعض التعاطف فحققوا مكاسب داخلية، من خلال “تصوير أنفسهم كمدافعين عن السيادة اليمنية والقيم الاسلامية ضد المعتدين الأجانب” بحسب تعبير النائب الجمهوري السابق.

أما الترجمة الفعليّة نتيجة استغلال الحوثيين للصراع الفلسطيني-الاسرائيلي فتمثّلت في تجنيد 200 ألف مقاتل جديد منذ إطلاق العمليات في البحر الأحمر. ويعتقد الخبراء أن العدد قد يكون أقرب إلى 170 ألفاً أو 150 ألفاً. وذكرت “هيومن رايتس ووتش” أن المئات إن لم يكن الآلاف من المقاتلين الجدد كانوا من القاصرين. وقد وثّقت الأمم المتحدة تجنيد الحوثيين للأطفال منذ العام 2010.

تتباهى إيران بما حققته مع الحوثيين، وبعد درس محصّلة أنشطتهم العسكرية، يرى المسؤولون الايرانيون أنهم حققوا ثلاثة إنجازات: أولاً عززوا مكانتهم من خلال إثبات فائدتهم داخل “محور المقاومة”. ثانياً أنهم لم يعودوا مجرد مجموعة من الناس الذين يرتدون الصنادل ويعيشون في الكهوف. لقد واجهوا الولايات المتحدة من الند إلى الندّ ولم يتراجعوا، وهو ما أكسبهم مكانة هائلة، بما في ذلك داخل اليمن. ثالثاً لقد وقفوا وجهاً لوجه مع إسرائيل ولم يتراجعوا، وهو ما أكسبهم أيضاً مكانة هائلة.

واللافت أن فريق الرئيس جو بايدن، والديموقراطيين عموماً، يقللون من أهمية الاستراتيجيات العسكرية لصالح الاعتقاد بأن الديبلوماسية وحدها يمكن أن تضع حداً للتهديدات التي يفرضها الخصوم الايديولوجيون والعدوانيون، مثل الحوثيين. وينتقد النائب الجمهوري السابق الادارة الديموقراطية “لأنها تفتقر إلى الإبداع والاهتمام بالديناميكيات التي تؤدي إلى إنهاء التهديد الحوثي وتحقيق الاستقرار والازدهار للشعب اليمني”.

من المؤكّد أن إنهاء الخطر الذي يشكّله الحوثيون قد ينتهي وفق ثلاثة احتمالات: الأول إذا توصلّت إدارة دونالد ترامب إلى هدنة بين اسرائيل و”حماس” في غزة، والثاني حصول صفقة بين الولايات المتحدة وإيران حول الإتفاق النووي، أما الاحتمال الثالث فهو وصول المرشّح الجمهوري دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بحيث يوجّه ضربة عسكرية قويّة الى ايران فيقفل الامدادات بينها وبين الحوثيين.

ويوضح النائب الجمهوري السابق أن “ترامب اذا فازفلن تعتمد الولايات المتحدة سياسة القبضة الحديدية مع إيران إلا في إطار مشروع استراتيجي كبير لسنة 2025، يقوم على تفاهم عربي إسرائيلي لمواجهة إيران واحتوائها، يترافق مع فرض العقوبات والضغوط لاحتواء البرنامج النووي الايراني”، مؤكّداً أن “ترامب لن يكون متساهلاً مع استمرار إيران في زعزعة الاستقرار في المنطقة، وربما يذهب إلى خيار عسكري بالتعاون مع حلفاء الولايات المتحدة”.

لا شك في أن موضوع الحوثيين يرتبط بالاستراتيجية الايرانية التي تقاتل بواسطة أذرعها العسكرية، والولايات المتحدة تعرف أنه لا يُمكن استمرار الحوثيين على هذا النحو إلى ما لا نهاية، وربما يكون الحسم قريباً مع إنهاء التنظيمات الأخرى التابعة لإيران مثل “حزب الله” و”حماس” و”الحشد العراقي”.

شارك المقال