إتخذت المواجهة بين اسرائيل و”حزب الله” أبعاداً خطيرة وغير مسبوقة، وخصوصاً بعدما أقدمت اسرائيل على تفجير أجهزة الـ”بايجر” والـ”توكي ووكي” بأفراد تابعين لـ”الحزب” مخلّفة مئات المصابين وأكثر من 25 ضحية. في المقابل، أطل الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصرالله ليؤكّد أن التفوّق التكنولوجي الاسرائيلي لن يخفف من عزيمة “الحزب” الذي سيستمر في المواجهة حتى إنتهاء حرب غزة، وبالتالي تتجه الأمور إلى تصعيد أكبر، على الرغم من المحاولات الأميركية للجمها، إلا أن الحرب باتت بلا ضوابط، وقد تنتقل إلى مستوى أكثر ضراوة ستكون نتائجه دراماتيكية.
لا شك في أن الصراع يمكن اختصاره بالمواجهة بين التفوّق التكنولوجي الاسرائيلي من جهة وقوّة الايديولوجيا ذات العصب الديني لـ”الحزب” من جهة أخرى.
منطقياً يُعتبر التفوّق التكنولوجي أكثر تأثيراً في الحروب الحديثة ويُمكن أن يؤدي إلى إضعاف الجهة المنافسة والتسبّب في خسائر كبيرة كما تفعل اسرائيل بـ”الحزب”، لكن في المقابل، يُساعد العصب “الإيديولوجي” على الصمود على نحو لافت، وهكذا يستمر “الحزب” على الرغم من خسائره في المواجهة، في لعبة أشبه بعضّ الأصابع بين الطرفين.
مع ذلك، لا تفتقر حرب اسرائيل إلى بعض “الإيديولوجية” الدينيّة، ولا تنقص “الحزب” بعض التكنولوجيا، واللافت أن العالم شهد في 7 تشرين الأول 2023، في لحظة معيّنة، إنهيار التكنولوجيا الاسرائيلية نتيجة اختراق حركة “حماس” لـ”السياج الذكي” على حدود غزة، إلى جانب تعطيل “نظام الرؤية والتصوير”، وكانت بمثابة ضربة حاسمة للتفوّق التكنولوجي الاسرائيلي الذي لم يحمِ الدولة العبريّة من هجوم لحركة “حماس” التي لا تملك سوى أسلحة بدائية بالمقارنة مع اسرائيل! فقتل الجنود والمدنيون والعمّال بأسلحة بدائية مثل السكاكين أو المعاول وكان ذلك بمثابة تأكيد على هذه الهزيمة. وهنا إستذكر البعض مقولة أينشتاين الشهيرة التي أصبحت فجأة حقيقة واقعة: “لا أعرف بأي أسلحة ستُخاض الحرب العالمية الثالثة، لكن الحرب العالمية الرابعة ستُخاض بالعصي والحجارة”.
إثر هذه الضربة النوعية للتنظيم الفلسطيني المتطرف تحت عنوان “طوفان الأقصى”، فقدت اسرائيل هيبتها وإعتبارها، لكنها لم تستسلم، وسرعان ما قدّمت أداء عسكريا لافتاً وخصوصاً في نيسان الفائت، عندما هاجمت إيران اسرائيل بعدد هائل من الصواريخ والمسيّرات، وتمكنّت الأخيرة بمساعدة الأميركيين من إسقاط أكثريتها، فشعرت بحالة من النشوة – ليس بسبب النجاح في حماية المواطنين الاسرائيليين فقط، وبالتأكيد ليس بسبب القدرة على الاعتماد على البلدان المجاورة. ففي هذه الليلة أجرى جيش الدفاع الاسرائيلي أيضاً نوعاً من عرض ناري دفاعي، كان بمثابة استعادة مؤقتة وضرورية للغاية لصورة التفوّق التكنولوجي.
ثمة من يتساءل اليوم عن الهدف من استعراض القوة التكنولوجية الاسرائيلية عبر تفجير أجهزة الـ “بايجر” والـ “توكي ووكي”، ويربطها بأنها تمهيد لهجوم بري اسرائيلي وشيك، لكن فعلياً لا تنفصل هذه الضربة عن عرض القوة الأول في صدّ المسيرات الايرانية في نيسان الفائت، والهدف هو المحافظة على صورة التفوّق التكنولوجي ليعلن “الحزب” استسلامه من دون كلفة اسرائيلية مرتفعة.
من جهته، كان نصر الله يعلم بهذا الأمر مسبقاً وكان قد توجّه إلى أتباعه في شباط الفائت قائلاً: “الهاتف الذي في أيديكم، وفي أيدي زوجاتكم، وفي أيدي أطفالكم هو العميل”. وتوسّل إليهم: “ادفنوه. ضعوه في صندوق حديدي وأغلقوه”. بهذا المعنى، اعترف نصر الله بتفوّق اسرائيل التكنولوجي، ولم يستبعد يوماً أنها ستستغل ذلك لتوجيه ضربات نوعيّة الى “الحزب”.
والمفارقة أن ما يحصل، أظهر قدرات التجسس الاسرائيلية التي تُوظّف لاغتيال قيادات “الحزب”، فيما أظهر الأخير أن بيئته غير محصّنة، بل مخترقة إلى حد كبير وخطير، وهو يُدرك ذلك.
لكن كل هذا التفوّق التكنولوجي والاستخباراتي الاسرائيلي يبقى في ظل حكومة اليمين المتطرف في خدمة الإيديولوجيا الاسرائيلية اليهودية، حتى ولو كانت الدولة حديثة تزعم العلمانية، فالعامل الديني موجود بقوة ولا يُمكن إنكاره. وقد ورد في “واشنطن بوست” مقال عنوانه “إسرائيل بنت حصان طروادة العصري”. والواقع أن هذه الفكرة مستمدة من التاريخ اليوناني، إذ سرق بروميثيوس النار من الآلهة. واليوم تحاول إسرائيل تطوير قدرات تكنولوجية علمانية ولكنها شبيهة بقدرات الإله، على الأقل من حيث قدرتها على توليد المفاجأة وتغيير الواقع بين ليلة وضحاها، وهذا ما تُرجِم في تفجير الـ “بايجر”.
وهناك إتجاه في اسرائيل، وسط تكاثر أعدائها في الشرق الأوسط، الى أن تكون التكنولوجيا بديلة عن العنصر البشري العسكري، بحيث تصبح بعد فترة غير محتاجة إلى عدد حشود عسكرية للدفاع عن دولتها، ولعل نقطة التحوّل اليوم هي الاستثمار في التكنولوجيات التي تشكّل مفتاح ميزة الجيش الاسرائيلي في ساحة المعركة والإنجازات الحالية. مع ذلك، هناك في اسرائيل من ينتقد هذه الاستراتيجيّة التي تعتمد على التفوّق التكنولوجي لأنها لا تزال عاجزة عن حسم أي معركة، بدليل أن الجيش الاسرائيلي لا يزال يعاني حتى اليوم في مواجهة “حماس” في غزة من جهة، ويتفادى الهجوم البري في جنوب لبنان من جهة أخرى، لعدم الاحتكاك بعناصر “الحزب” الذين يعتبرون أنفسهم متفوّقين بالميدان. وهذا نقص لا يمكن للتكنولوجيا العسكرية تعويضه مهما كانت جيدة. فإذا كان الجيش الاسرائيلي عاجزاً عن حسم المعارك، فهو بحاجة إلى المزيد من فرق المناورة المدربة جيداً لإحياء منظومة الدفاع الاقليمي وكذلك الحفاظ على التفوق التكنولوجي.
ولا يختلف إثنان على أن استراتيجية “الحزب” تعتمد على قدرات الفرد “المقاوم” وشجاعته وتعبئته ايديولوجياً، بحيث لا يبخل في تقديم حياته من أجل إرضاء “إلهه”، لذلك تكلّم نصر الله أول من أمس عن إنتظار الهجوم البري الاسرائيلي بشوق كبير، معتمداً على مفهوم العدد الذي يتفوّق به وأفضليّة الأرض، مع إمكان استقدام مقاتلين من العراق واليمن وسوريا.
ولا بد من الإعتراف بأنه لو حصل هجوم لفصائل محور الممانعة من غزة وجنوب لبنان والجولان على اسرائيل، لكان حجم الخسارة لإسرائيل كبيراً نظراً الى عنصر المفاجأة وقوة الهجوم، ربما استخدام التفوّق التكنولوجي من خلال الطائرات الحربية سيأتي في المرحلة الثانية، مع الأخذ في الاعتبار أن لا أحد يُمكنه توقّع ظروف المعركة وما ستؤول إليه في مرحلتها الأولى.
ما تخوضه اسرائيل في الجنوب اللبناني اليوم هو حرب استنزاف، وقد تكون هذه الحرب الملعب المفضّل لها من حيث استخدام التفوّق التكنولوجي والامكانات الاستخباراتية، وما يُراهن عليه “الحزب” الإيديولوجي هو الاحتكاك البري، ويتوقّع أن تظهر ثغرات كبيرة في الجيش الاسرائيلي عند التوغّل في الأراضي اللبنانية، على الرغم من أن تجربة غزة صقلت خبراته في التعامل مع فصائل مدرّبة ايرانياً، لكن يجب الأخذ في الاعتبار أن “الحزب” أكثر قدرة وقوة واحترافاً مئة مرة من “حماس”، وهنا لن تكون المواجهة سهلة بالنسبة إلى اسرائيل، وكلاهما يعتبران الحرب وجوديّة، ولا مكان للتراجع فيها.
أمام هذه المعطيات، تتهيّب اسرائيل توسيع الحرب على “الحزب”، على الرغم من أن إنجازات جيشها في الميدان التكنولوجي، فإنها بعيدة كل البعد عن أن تكون كافية لتحقيق الهدف السياسي لها: إبعاد “الحزب” عن الحدود للسماح لمواطنيها بالعودة إلى ديارهم. وربما إذا أرادت اسرائيل حسم أي معركة بريّة مع “الحزب”، فيتوجّب عليها تكثيف الاستعانة بقوات الاحتياط على نحو ملحوظ، اذ ان تعبئة الاحتياط تملي الحروب القصيرة. علماً أن النقص في مسألة الاحتياط في مواجهة “حماس”، أدى إلى عدم القدرة على مهاجمة قطاع غزة بالكامل في وقت واحد، ما أطال أمد القتال، كما أدى استمرار الحرب إلى فقدان صبر الدول التي دعمت إسرائيل، الأمر الذي أسفر عن تصعيد الضغوط عليها وذهبت الأمور إلى الركود الجزئي الذي يسود غزة الآن.
إن التكنولوجيا العسكرية التي تستخدمها اسرائيل، على الرغم من كل تطورها، لا يمكنها تغيير هذا الواقع الاستراتيجي. فعلى مدى العقدين الماضيين، استحوذت على أكثر التكنولوجيات تقدماً في العالم. وقد قيل الكثير عن استخدام تكنولوجيات حرب الشبكات الحاسوبية والأسلحة الدقيقة والوسائل التي يتم التحكم فيها عن بُعد لتحل محل الوسائل القديمة التي يُفترض أن الزمن عفا عليها ولم تعد هناك حاجة إليها، إلا أن اسرائيل غير قادرة اليوم على حسم أيّ حرب. والاجابة عن هذه المقاربة ستؤكدها نتائج المواجهات في غزة وجنوب لبنان.
من جهة أخرى، لا يُكمن إغفال نقطة جوهرية في الصراع الدائر لجهة “الحزب” الذي يعاني من الوهن والتعب نتيجة الضربات الاسرائيلية التي طالت أجهزة الاتصالات، ما عطّل مسألة القيادة والتحكّم في أرض المعركة، وضعضعة المقاتلين نفسياً وشرذمتهم، وحتى أولئك الذين لم يتعرضوا لأذى جسدي أصبحوا الآن مصابين بجراح نفسية. ولن يشعروا بالأمان أبداً حتى يومهم الأخير، بغض النظر عن مكان وجودهم، وسوف يعيشون في خوف دائم ما قد ينفجر بعد ذلك.
وكلمة حق تُقال أن “الحزب” الذي يُقدّس الموت ويعلّم أتباعه منذ سن مبكرة أن الاستشهاد شرف، اضطر الآن الى مواجهة واقع جديد. في حين أنه يمجّد الاستشهاد في المعركة، إلا أنه لم يكن مستعداً لهذا النوع من الحرب النفسية – تلك التي تستهدف حياته عناصره اليومية، وتخلق الخوف حيث لا يتوقعونه. وإذا لم يُعالج “الحزب” سريعاً هذه الثغرة، فستؤثّر على أدائهم القتالي على نحو كبير.
قد يكون كلام نصر الله أن هدف اسرائيل كان القضاء على عدد أكبر من المقاتلين في عملية تفجير الأجهزة اللاسلكية، لرفع المعنويات، إلا أن العملية، بالمعايير الموضوعية، وبنظر الخبراء العسكريين العالميين، كانت ناجحة. ويؤكّد الخبراء أن كل عضو في “الحزب”، من الأمين العام إلى أصغر عنصر، يشعرون بالضعف، وبتفوق إسرائيل وعدم قدرتهم على مواجهتها. والواقع أن مقاطع الفيديو التي انتشرت بسرعة على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تظهر أشخاصاً ينفجرون في أماكن يومية، صدمت لبنان بطرق غير مسبوقة.
ويبقى السؤال: من ينتصر في الحرب تكنولوجيا اسرائيل أو ايديولوجيّة “الحزب”؟ الجواب سيكون في المستقبل القريب.


