إلى أين بعد بعد اغتيال السيد؟

صلاح تقي الدين
حسن نصرالله

ليس ممكناً لاسرائيل القيام باغتيال الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله من دون أن تكون قد حظيت بغطاء دولي وتحديداً من الولايات المتحدة الأميركية، وتعيد إلى الذاكرة مشهد الرئيس الأميركي السابق والمرشح الحالي دونالد ترامب وهو يراقب من غرفة عمليات عسكرية قتل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الايراني قاسم سليماني، ومشهد الرئيس الأسبق باراك أوباما وهو يشاهد عملية تصفية زعيم تنظيم “القاعدة” أسامة بن لادن.

لكن الفارق بين هذه العمليات هو أن نصر الله لم يكن رمزاً أساسياً في محور دول المقاومة، بل إن وجوده على رأس “حزب الله” لأكثر من 32 عاماً حوّله إلى رمز كانت الحشود تنطق باسمه وتلبي أوامره وهو ما لم نشهده مثلاً مع الأمين العام السابق السيد عباس الموسوي أو الأسبق الشيخ صبحي الطفيلي، كما أن سليماني لم يكتسب هذه الحالة الشعبية وبالتأكيد ليس أسامة بن لادن.

لكن السؤال الأهم وبعيداً عمن اتخذ قرار الاغتيال هو صورة ملامح المرحلة الجديدة التي ستتظهر بعد السيد نصر الله، وهل ستتدخل إيران الراعية في عملية انتقام تجر المنطقة بأكملها إلى حرب ليست إقليمية فحسب، بل قد تكون حرباً عالمية أدواتها جاهزة وعناصرها مكتملة؟

كثيرة هي الأسئلة التي طرحت منذ أن أطلق يحيى السنوار عملية “طوفان الأقصى” وما إذا كان قد نسّقها مع بقية قوى المحور أم أنها كانت عملية بقرار ذاتي تسبّبت لاحقاً في تورط “حزب الله” بفتح جبهة الاسناد لغزة، وعما إذا كان السنوار يتوقع ردّ الفعل الاسرائيلي والدمار الممنهج الذي أطاح كل مقومات الحياة في قطاع غزة، وعما إذا كان قرار السيد نصر الله قراراً ذاتياً أم أنه اتخذ بعد التشاور مع إيران؟

في جميع الأحوال لا يمكن المرور مرور الكرام على تحمّل الحزب بمفرده الضربات التي لحقت به جراء جبهة الاسناد والتصفية المدروسة لكل قياداته الوسطى والعليا في عمليات الاغتيال الدقيقة التي كانت تنفّذها مسيرات العدو الصهيوني، قبل أن تنفتح شهية الوحش بنيامين نتنياهو على لبنان وصار يكّرر المجازر التي ارتكبها في غزة بدءاً من الجنوب الصامد وصولاً إلى البقاع وتوجيه الرسائل المختلفة سواء في قلب كسروان أو أعالي الشوف.

ومن الواضح أن قرار “تحييد” سوريا الذي سبق أن بّرره السيد نصر الله في أحد خطاباته جاء ليصب الزيت على النار المشتعلة في المنطق، ويطرح أسئلة كثيرة عن دور الجمهورية الاسلامية في إيران في هذا الخصوص؟

للتذكير فقط فان نتنياهو كان في كل مرة تطرح فيها مسألة مفاوضات عبر الوسطاء الدوليين للوصول إلى هدنة في غزة، يضع كل العصي في دواليب هذه المفاوضات لافشالها، ما يشي بأنه اتخذ أيضاً قرار الاستغناء عن الأسرى الذين احتفظ بهم السنوار لغاية اليوم، إذا كانوا لا يزالون أحياء، للمضي في خطته التدميرية ومحاولة طرد الفلسطينيين الباقين إلى دول الجوار.

أما في لبنان، فمن الواضح أن المسعى الفرنسي للوصول إلى وقف لاطلاق النار الذي يحمله وزير الخارجية الفرنسي الجديد إلى بيروت التي وصلها مساء أمس، هي فرصة مناسبة لالتقاط الأنفاس بعد الجريمة المروعة التي أفضت إلى اغتيال السيد نصر الله، وإذا كانت قيادة الحزب تريد إنقاذ نفسها وإنقاذ لبنان فعليها القبول بها.

عندما اغتيل رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” إسماعيل هنية في قلب العاصمة الايرانية، رعدت الدنيا وزمجرت على ألسنة المسؤولين الايرانيين بأن الانتقام لانتهاك سيادة الجمهورية الاسلامية سيأتي في الوقت والزمان المناسبين، ويبدو أن هذا الوقت لم يحن بعد، لكن عندما اغتيل القائد العسكري الكبير في “حزب الله” فؤاد شكر، كان واضحاً أن السيد نصر الله يخطط ونفّذ عملية الثأر في أربعينية الامام الحسين، وهو بذلك كان صادقاً مع نفسه وحزبه وجمهوره، وربما سيكون كذلك من سيتولى قيادة الحزب من بعده، وهو أمر سيكون بديهياً، لكن إذا لم تستوعب إسرائيل الرد، فعندها السيناريوهات المختلفة والمتعلقة بمصير الحزب مفتوحة.

إن آلة الاجرام الصهيونية أثبتت أنها قادرة على التدمير وإراقة الدماء من دون تردد أو أي نوع من أنواع المساءلة الدولية، وبالتالي فإن تشبيه لبنان بغزة قد يكون وارداً بصورة أكيدة وهذا ما لا يرضاه أي لبناني، وقد ينعكس ذلك على صورة “حزب الله” بدءاً من بيئته الحاضنة التي وجدت نفسها اليوم نتيجة الهمجية والاجرام الاسرائيلي وقد نزحت إلى الداخل حيث لاقت الترحيب والقبول من كل المجتمعات اللبنانية “الأخرى”، وصولاً إلى كل مواطن قد يصاب في بيته أو حياته أو حياة أقربائه لأن العدو الصهيوني لا يفرّق بين هذا أو ذاك من اللبنانيين.

قد يكون الوقت حان فعلاً لكي يبدأ “حزب الله” بالتفكير جدياً في الجلوس إلى طاولة حوار تبحث في استراتيجية دفاعية حقيقية من ضمنها مصير سلاحه، الذي يبدو أن حتى قرار استخدامه في وجه العدو الصهيوني هو في يد من زوّده به، وأن يتحوّل جهاده العسكري إلى جهاد سياسي يستطيع من خلاله لعب الدور المسؤول لأنه يمثل الشريحة الأكبر من اللبنانيين الذين لم تعد مفاهيم الحرب مقبولة لديهم وجلّ ما يبتغونه هو الاستقرار الأمني الذي ينعكس استقراراً معيشياً واجتماعياً.

شارك المقال