تمسّكت إيران طويلاً بما يُسمى “الصبر الاستراتيجي” أمام استفزازات اسرائيل لها في الآونة الآخيرة، إلا أن ما حصل أول من أمس من توجيه إيران عشرات الصواريخ الباليستيّة إلى اسرائيل كان “خطأ استراتيجياً”، إنتظره رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو منذ 7 تشرين الأول 2023.
في ظل تراكم المشكلات السياسية الداخلية في وجه نتنياهو منذ العام الفائت وخصوصاً بعد الأخطاء الاستخباراتية التي أدت إلى اجتياح حركة “حماس” غلاف غزة، وتفاقم أزمة الرهائن مع تداعيات شعبية ناقمة على رئيس الحكومة الاسرائيلية، بنى الأخير سياسته على فكرة “إيران هي محور الشرّ” الذي يُهدد اسرائيل وجودياً، وقد نجح إلى حدّ كبير في إقناع الأكثرية الاسرائيلية بهذا الخطر الداهم، وساعده في ذلك أداء الأذرع العسكرية الايرانية التي تحارب بالوكالة عن إيران مثل “حزب الله” والحوثيين والميليشيات العراقية والحرس الثوري الإيراني في سوريا و”حماس”.
ولم يكتفِ نتنياهو بذلك، إنما زار الولايات المتحدة الأميركية ووقف وسط الكونغرس الأميركي يتكلّم عن “إيران ومحور الشرّ الذي يُمارس الإرهاب ضد الغرب”، مستخدماً ذريعة بأن اسرائيل تدافع عن الغرب في مواجهة الإرهاب الايراني.
قد يكون نتنياهو “الداهية” نجح في إقناع الكثير من النواب الأميركيين بوجهة نظره وخصوصاً الجمهوريون وبعض الديموقراطيين، وبقي يعمل على القطعة مع الرئيس الأميركي جو بايدن الذي لا يوافق على كل طروح نتنياهو وتطرّفه، ويحاول أن يرسم حدوداً معه كي لا يستدرج واشنطن إلى حرب شاملة مع إيران، ولا سيما أنها منشغلة بموسم انتخابي رئاسيّ محتدم.
لكن مساحة الحرية السياسية والعسكرية التي أعطاها نتنياهو لنفسه ليست قليلة، فهو لم يكفّ عن استفزاز إيران على نحو كبير منذ ثلاثة أشهر حتى اليوم: اغتال القيادي العسكري الكبير في “حزب الله” فؤاد شكر ثم قتل رئيس المكتب السياسي في “حماس” اسماعيل هنيّة في قلب طهران، قبل أن يضرب ضربته الكبرى بإغتيال الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصر الله الذي كان مقتله القشة التي قصمت ظهر البعير! ولا شك في أن نيّة نتنياهو من خلال كل هذه الضربات النوعية هي خلق الظروف المناسبة لشن هجوم على المنشآت النووية الايرانية.
بلعت إيران “الموس” لأنها كانت تُدرك خطة نتنياهو، فعمدت إلى ضبط النفس وعوّلت على التوصّل إلى صفقة في غزة تؤدي إلى وقف إطلاق النار وإطلاق الرهائن الاسرائيليين والأسرى الفلسطينيين في السجون الاسرائيلية.
لكن مهلة المفاوضات التي كانت تديرها الولايات المتحدة ومصر وقطر طالت بسبب شروط نتنياهو المستعصية، وبدأت تفقد الأمل بالتوصلّ إلى حل ديبلوماسي يُبعد عنها شبح الحرب ويوفّر عليها تنفيذ هجوم على اسرائيل، وهي تعرف أن من شأنه أن يعزز موقف نتنياهو.
ويبدو أنها قررت أخيراً الردّ على الصفعات التي تلقتها وكان آخرها صفعة اغتيال نصر الله، فأعدّت خطة منذ أسبوعين تقضي في الإيحاء بأنها لا تزال تحافظ على صبرها الاستراتيجي، بل تحدّث مرشد الجمهورية الاسلامية علي خامنيئي عن “تراجع استراتيجي”، وسرّبت على لسان مسؤولين ايرانيين أن “التوقيت ليس مناسباً لشن هجوم على إسرائيل”، وحاولت أن تريح اسرائيل أكثر عندما صرّح الرئيس الايراني مسعود بزشكيان من نيويورك بأن “إسرائيل هي الطرف الذي يسعى إلى حرب أوسع في المنطقة”، مشدداً على أن إيران لا تريد الوقوع في هذا “الفخ”.
فهمت الولايات المتحدة واسرائيل من هذه الاشارات أن إيران تريد أن تحفظ رأسها، فيما كانت أذرعها العسكرية وجماهيرها تنتقدها على سياسة المهادنة، ولم يكن وارداً للنظام الايراني أن يستمر في سياسة “المهادنة” المقصودة أكثر بسبب الخوف من فقدان هيبته، على الرغم من أنه يعلم خطورة ما قد يكون ردّ اسرائيل بقيادة نتنياهو وحكومته المتطرفة.
واللافت أن ايران أعدت لردّ مدروس، مع إبلاغ الأميركيين مسبقاً، عبر قنوات معينة، لتكون الضربة الموجّهة الى إسرائيل بعلم أميركي، ولو بالحدّ الأدنى، فوجّهت عشرات الصواريخ الباليستيّة أول من أمس إلى اسرائيل التي عالجت البعض منها عبر نظام القبّة الحديدية، وسقط بعضها قرب مواقع عسكرية، لكن ما لم تحسبه إيران- المحرجة من عدم الرد- هو رد فعل نتنياهو الذي لا يعير شأناً لمحدودية الردّ الايراني، وحتى أنه يتمرّد على سياسة بايدن والمحاذير الأميركية، فخرج أمس متوعداً بضربة كبيرة ونوعيّة لإيران، مؤكداً “أنها ارتكبت خطأ كبيراً وستدفع ثمنه”، وكأنه ربح جائزة، هو الذي بالغ في تضخيم التهديد الايراني وخصوصاً برنامجها النووي، لتغذية استمراريته السياسية، بحيث زادت شعبيته الآن لدى الشعب الاسرائيلي وتلقّى جرعات من الدعم الدولي نظراً إلى ما تعرضت له حيفا وتل أبيب أول من أمس.
لقد خدمت إيران نتنياهو، إذ أعطت مصداقية لنظريته القائمة بأن اسرائيل محاطة بالأعداء من كل الجوانب، وقد نال تأييداً من بعض الوزراء المعتدلين حتى الرئيس الاسرائيلي إسحاق هرتسوغ المعتدل أيضاً، بات يعتبر إيران “إمبراطورية الشر”، علماً أنه لا يؤيد نتنياهو كثيراً.
من الواضح أن الطريق أصبحت سالكة أمام نتنياهو لتقليم أظافر إيران، وإذا لم يكن في توجيه ضربة إلى المنشآت النووية، فقد يطال الهجوم الاسرائيلي منصات الغاز والنفط وربما البنية التحتية الايرانية، وستكون مؤلمة جداً لنظام الملالي، لأن إيران لا يمكن أن تتحمل ضربة قويّة من اسرائيل في ظل الوضع الاقتصادي المتدهور.
هل تشكّل الانتخابات الأميركية عائقاً أمام نتنياهو؟ لم يظهر في الصحافة الاسرائيلية أن نتنياهو يحسب حساباً للانتخابات الأميركية، فهو يتطلع إلى دعم المرشّح الجمهوري دونالد ترامب إذا فاز في الانتخابات، ويبدو أنه على استعداد لتحمل اللوم من إدارة كاميلا هاريس إذا فازت.
بمعنى آخر، يشير المحللون الاسرائيليون إلى أن إسرائيل قد تقرر توجيه ضربة بصرف النظر عن نتيجة الانتخابات الأميركية، وربما لن تتأخر، فقد تكون في الساعات المقبلة أو خلال أيام معدودة.
في نهاية المطاف، يمر الشرق الأوسط بنقطة تحوّل خطيرة، قد تغيّر وجهه، وهذا ما ردّده نتنياهو نفسه إثر عملية “طوفان الأقصى” في 7 تشرين الأول 2023، وخصوصاً أن من يتحكم بقرارات السلم والحرب هي رؤوس حامية لها منطقها العقائدي والتاريخي الديني الاستراتيجي.


