على الرغم من سخونة الوضع الأمني والعسكري في لبنان، تشهد الساحة السياسية حركة ملحوظة على صعيد الانتخابات الرئاسية، بعد سلسلة خطوات فَهِمَ زوار الرئيس نبيه بري أنها استعداد من الثنائي الشيعي للتنازل في الملف الرئاسي، ولعل أهم التنازلات تتركّز على نقطتين: الأولى التخلي عن شرط “الحوار”، والثانية فتح المجال للتباحث في خيار ثالث غير مرشّح الممانعة رئيس تيار “المردة” سليمان فرنجية.
والمفارقة أن الثنائي الشيعي بقي عامين متشبثاً بشروط مسبقة، داعياً إلى جلسات انتخاب “مبتورة” أو إغلاق المجلس لإرضاخ المعارضة اللبنانية وإجبارها على حوار خارج الدستور.
لكن التفسير الوحيد لمرونة بري، وفق بعض زوّاره، أنه رأى الوضعية السياسية للثنائي الشيعي وحالة البلد التي لم تعد تسمح بالإستمرار من دون رئيس للجمهورية، وهو اقترح هذا الموضوع على رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي والرئيس السابق للحزب “التقدمي الاشتراكي” وليد جنبلاط، ورأى ترحيباً كبيراً لخطوته التي بدأت اللجنة الخُماسية تأخذها على محمل الجد، لكن بري يُطالب بوقف إطلاق نار للدعوة إلى جلسة. ويبدو أن “حزب الله”، الذي سلّم إدارة ملف الرئاسة إلى بري بالكامل بعد اغتيال أمينه العام حسن نصر الله، يتطلّع إلى وقف إطلاق النار ولو كان مؤقتاً، لإعادة ترتيب صفوفه واستعادة زمام المبادرة في الميدان. لذلك هذا ما ستتركّز عليه جهود اللجنة الخماسية بعد نزول الثنائي الشيعي عن الشجرة نتيجة تغيّر موازين القوى والنكبة التي حلّت بـ”الحزب” ووضعيّة البلد الذي يمر بحرب خطرة.
لا شك في أن بري يرى أن المشهد تبدّل بين الأمس واليوم، وبالتالي يُريد الإسراع في إنتخاب رئيس، لذلك تراجع عن شروطه وأقدم على هذه الخطوات الإيجابية التي تتمنى جميع القوى السياسية اللبنانية وخصوصاً المعارضة ألا تكون أرنباً جديداً يسحبه من جيبه لتمرير الوقت، لأن الوضع لا يقبل كل هذا الترف.
في المقابل، تتعامل “القوات اللبنانية” التي تُعتبر العمود الفقري للمعارضة مع إنفتاح بري بإيجابية، عكس ما أشاعته وسائل إعلام “الممانعة” بهدف ممارسة ضغط على “القوات” لتتلقّف سريعاً مبادرة بري، إلا أن أجواء معراب ترى أن ما تراجع عنه بري كان من صلب مطالبها منذ عامين حتى اليوم، فهي كانت ترفض “الحوار الرسمي” وها هو بري يتنازل عنه، وكانت ترفض فرض “الممانعة” لمرشّحها فرنجية، ويبدو أن بري تخلّى عنه، لكن ما فُهم من قيادة “القوات” أن هناك مطلباً وحيداً لها اليوم، وهو تحديد مواصفات الرئيس العتيد، ولا شك في أن قبول بري البحث عن خيار ثالث، هو تقدّم كبير.
لا تريد المعارضة عموماً و”القوات” خصوصاً رئيساً شكلياً تعلّق صورته في المقرات الرسميّة فقط، بل رئيس يُجسّد تطلعات المرحلة، أي أن لا يتأثر بالقوى السياسية ويحكم إنطلاقاً من الدستور، وبالتالي لن ترضى “القوات” بأي مرشّح يكون “ممانعاً” في الظلّ. ولن ترضى بوضع الكرة في ملعب المسيحيين للإتفاق على مرشّح، كما قد يلعبها بعض الخبثاء.
قد يتساءل البعض أمام انعطافة بري: لماذا لا يترشّح رئيس “القوات” سمير جعجع إلى الرئاسة الآن؟ الجواب من معراب: هذه المسألة ليست واردة حتى إشعار آخر، ولو كان يريد ذلك لرشّح نفسه منذ البداية، والسعي اليوم إلى الإتفاق على رئيس يُخرج لبنان من الحرب وتطبيق الدستور والقرارات الدولية، ويعيد الإستقرار إلى وطن الأرز.


