موقع مستقل | الناشر ورئيس التحرير: محمد نمر

لعبة العهد ضد رئاسة الحكومة

سياسة 8 أيلول , 2021 - 12:01 ص

لبنان الكبير

 

تعجز اجتماعات بعبدا المتلاحقة أو ما تُعرف باجتماعات المجلس الأعلى للدفاع عن إيجاد حلول جذرية للأزمات التي تعصف بلبنان، بل تكتفي بقرارات أنهكت الاقتصاد الوطني واستنزفت الاحتياطي الإلزامي، ويبدو أنها ستقضي على ما تبقى من أموال اللبنانيين إذا ما استمرت على هذا المنوال من دون أي رادع لها في ظل تكبيل عملية تشكيل الحكومة لأسباب تعطيلية لم تتغير منذ أكثر من عام تمنع ولادتها على الرغم من حال الانهيار التي شلّت كافة القطاعات الحيوية.

مجلس الدفاع الأعلى الذي استند إنشاؤه وتحديد مهامه وصلاحياته إلى الفصل الثاني من قانون الدفاع الوطني رقم 102 تاريخ 16/9/1983، يتألف من رئيس الجمهورية (رئيساً)، رئيس الوزراء (نائباً للرئيس)، وزراء الدفاع والخارجية والمال والداخلية والاقتصاد (أعضاء). ويحق لرئيسه أن يستدعي من يشاء ممن تقتضي طبيعة أعمال المجلس حضورهم، في حين يقوم الأمين العام للمجلس بمهام أمانة السر. كما يقرر المجلس الأعلى للدفاع الإجراءات اللازمة لتنفيذ السياسة الدفاعية ويولي أهمية خاصة للتعبئة الدفاعية التي تتناول الخدمة العسكرية والتجنيد الإجباري، التعبئة التربوية، تعبئة النشاط الاقتصادي بفروعه الزراعية والصناعية والمالية والتجارية، تعبئة النشاط الصحي والطبي، تعبئة عامة للدولة والمواطنين وبخاصة الدفاع المدني، تعبئة نشاطات الإرشادات والتوعية. كما يحق له توزيع المهام بين الوزارات والأجهزة الأمنية ويتابع تنفيذها من خلال رئيس مجلس الوزراء الذي يحق له استدعاء من يشاء لحضور الاجتماعات وإضافة أعضاء وإجراء تعديل بعضوية المجلس (بقرار من مجلس الوزراء).

وعن هذه الاجتماعات، يقول خبير المخاطر المصرفية الدكتور محمد فحيلي، لموقع "لبنان الكبير"، إن "تفعيل دور المجلس الأعلى للدفاع هو لعبة ذكية من رئاسة الجمهورية. فاليوم، استطاع الرئيس ميشال عون تهميش دور مجلس الوزراء (حكومة تصريف الأعمال)، وفعّل دور المجلس الأعلى للدفاع لكي يأخذ قرارات نيابة عن الحكومة، معتبراً ذلك إحدى الثغر التي لم ينتبه إليها اتفاق الطائف. فالقانون التأسيسي منح المجلس الأعلى للدفاع صلاحيات استثنائية لدرجة أنه قد يكون مجلس الوزراء الموازي بكل صلاحياته لكن برئاسة رئيس الجمهورية. وبهذا يكون ما يرفضه رئيس الجمهورية في اتفاق الطائف وجده في المجلس الأعلى للدفاع، ولهذا السبب يشهد لبنان ارتفاعاً ملحوظاً بوتيرة اجتماعات هذا المجلس".

وبحسب فحيلي، "فإن قرارات المجلس الأعلى للدفاع خلقت واقعاً جديداً في لبنان غير مألوف، واصفاً إياها باللا ديموقراطية، ولا سيما أن القرارات الصادرة عن مجلس الوزراء تترك لكل وزارة وانطلاقاً من اختصاصها حرية البحث بخلفيات هذه القرارات وتقديم اقتراحاتها وتسمح بإجراء النقاشات حولها، في حين لا توجد هذه المساحة من التداول في قرارات المجلس الأعلى للدفاع. وهنا يشير إلى أن الفارق بين المجلسين يكمن في أن القرارات الناتجة من مجلس الوزراء تكون شفافة وعلنية على عكس قرارات المجلس الأعلى للدفاع التي تبقى سرية بحيث لا يفصح إلا عن القرارات التي يريد المجلس فقط إبلاغها للشعب. وعلى الرغم من رفض رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب دعوة الحكومة إلى الانعقاد، إلا أن ذلك لم يخفّف من عزيمة رئيس الجمهورية لدعوة المجلس الأعلى للدفاع للانعقاد وأخذ الأمور على عاتقه في ما يتعلق بالقرارات وآلية تنفيذها، التي يجب وفق الأصول أن تكون صادرةً عن السلطة التنفيذية، لكنها تحوّلت إلى قرارات من المجلس الأعلى للدفاع تُكلّف بموجبها وزارات تصريف الأعمال بتنفيذها".

وعما إذا كان من يقف وراء عقد هذه الاجتماعات يخشى تشكيل حكومة قادرة على إنقاذ الوضع، ويُبقي عليها من أجل تلميع صورة رئيس الجمهورية، يقول فحيلي: "لا يمكن الحكم على النوايا إنما على التصرفات والقرارات التي تأخذها رئاسة الجمهورية والفريق السياسي الموالي له الذين يحاولون من خلالها الذهاب قدر المستطاع باتجاه عدم إنقاذ الوضع في لبنان، انطلاقاً من مبدأ أن أي إنجاز قد يحصل في الأسابيع المقبلة يجب أن ينسحب على رئاسة الجمهورية حصراً وليس على الرئاسة التنفيذية، ولا سيما أن هناك رغبة جدية من المجتمع الدولي (البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، الأسواق الأوروبية، الولايات المتحدة الأميركية، مجلس التعاون الخليجي) بمساعدة لبنان، شرط تشكيل حكومة تحظى بثقته ليبدأ لبنان بعدها مرجلة الإنقاذ والتعافي والنهوض. من هنا، فإن رئاسة الجمهورية وفريقها يهمها أن تحصل وحدها على الـ"credit" أو الفضل في عملية الإنقاذ وأن يُنسب لها فقط، وتالياً، تعمد إلى تأخير تشكيل الحكومة وتتجه نحو الترقيعات وليس نحو الحلول جذرية من أجل التخفيف من غضب المواطن اللبناني ومماطلة الأمور في كافة الحلول تماماً كما يحصل مع البطاقة التمويلية إلى حين اقتراب موعد الانتخابات النيابية منتصف العام 2022، للاستفادة من كافة الفرص المتاحة واستخدامها كرشوة انتخابية لتحسين حظوظهم والحصول على مكاسب إضافية".

لا يحتاج لبنان اليوم إلى عقد مثل هذه الاجتماعات بقدر ما يحتاج إلى حكومة تعمل على مواجهة الأزمات بطريقة أكثر فاعلية بعيداً من القرارات الشعبوية التي أوصلت الأمور إلى حائط مسدود. فكل يوم تأخير في عدم إيجاد الحلول المناسبة يعمّق من الأزمة ونتائجها على المواطنين الذين يدفعون جميعهم الثمن باهظاً وإن بنسب متفاوتة. وبين حكومة تصريف أعمال تخلّت عن واجباتها الدستورية، ورئيس حكومة يقاطع اجتماعات بعبدا لاقتناعه بمخالفتها الدستور، وتعطيل وعراقيل بالجملة تمنع ولادة الحكومة العتيدة، واجتماعات ملغومة الأهداف تُعقد منذ أشهر من دون أي فائدة ملموسة تنتهي ببيانات وقرارات ترقيعية، يبقى تعويم مجلس الوزراء المستقيل بقيادة رئيس الجمهورية الغاية التي يبررها العهد بوسيلة غير دستورية وأخلاقية.

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us