يعيش اللبنانيون هواجس امتداد القصف الاسرائيلي إلى مناطق لبنانية آمنة منذ بداية الحرب، واستهداف مرافق ومؤسسات حيوية في الدولة اللبنانية، وخصوصاً بعدما أعلن مسؤول اسرائيلي “أن كامل لبنان هدف عسكري لإسرائيل”، وقد جاءت الغارة أول من أمس على بلدة أيطو في قضاء زغرتا لتؤكّد هذه التهديدات ومخاوف اللبنانيين نتيجة وجود عناصر ومسؤولين مرتبطين بـ”حزب الله” بين النازحين في كل المناطق اللبنانية.
لكن الهدف من هذه الحرب ليس اللبنانيين، كما أعلنت اسرائيل في بدايتها، وقد حددت عدوّها الأساسي منذ توسيع عملياتها العسكرية، وهو “حزب الله” وبنيته العسكرية، وبالفعل تتركّز الأعمال الحربية ما بين الضاحية الجنوبية والبقاع وبعلبك والجنوب، مع تحذيرات متكررة من الجيش الاسرائيلي الى المدنيين للإبتعاد عن مواقع “الحزب” ومقراته في كل المناطق اللبنانية. إلا أن هامش الخطأ يبدو كبيراً أحياناً، إذ يسقط المدنيون، الذين لا ناقة لهم ولا جمل، عند تنفيذ اغتيال معيّن لقادة “الحزب”، وهذا ما حصل في الضاحية ورأس النبع والنويري وايطو أمس، علماً أنه يتوّجب على “الحزب” لضرورات أخلاقية وإنسانية حيال بيئته أن يبتعد عنها ولا يحتمي بها كما فعلت حركة “حماس” في غزة، فلم تفرّق اسرائيل بين مدنيين ومسلّحين هناك!
بمجرد إعلان اسرائيل أن كامل لبنان هدف عسكري لها معتبرة أن بيروت من ضمنه، يسود القلق الشعب اللبناني وتتجه الأنظار إلى مطار رفيق الحريري الدولي ومرفأ بيروت والمؤسسات الحكومية والرسمية ومعامل الكهرباء والجسور، وغالبيتها كانت من ضمن بنك الأهداف الاسرائيلية في حرب تموز 2006.
فما الذي يمنع من استهدافها مجدداً وخصوصاً بعد هجوم نفّذه “الحزب” على قاعدة عسكرية إسرائيلية في جنوب حيفا وأسقط فيه عشرات القتلى والجرحى من الجنود الاسرائيليين؟
منذ بداية توسّع الحرب في أيلول الفائت، وعلى الرغم من ارتفاع وتيرة التصعيد إلى مستويات خطيرة، لم تقصف اسرائيل المطار والمرفأ والمؤسسات الرسمية ومعامل الكهرباء والجسور ولم تحاول استهداف المدنيين إلا عرضاً عند هجومها على مقرات “الحزب” ومسؤوليه. وهذا ليس بسبب احترام اسرائيل لهذه المرافق والمؤسسات، إنما لوجود خطوط حمر أميركية تمنع اسرائيل من استهدافها لأن الادارة الأميركية لا تريد أن ترى لبنان مدمراً ولن تسمح بتحوّله الى غزة ثانية، وهذا ما قالته المتحدثة بإسم البيت الأبيض كارين جان بيير منذ فترة قصيرة: “لا يمكننا ولن نرى لبنان يتحول إلى غزة أخرى. هذا ليس ما نريد رؤيته”.
من جهة أخرى، تصبّ كل مساعي رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي عبر اتصالات على أعلى المستويات في الادارة الأميركية لتجنيب لبنان هذا المصير، وقد اعترف أمس “أننا نحاول إزالة كل الذرائع كي لا تستهدف اسرائيل مطار بيروت والموانئ والمعابر البرية”، مؤكداً “أننا حصلنا على ضمانات أميركية لخفض التصعيد الاسرائيلي في بيروت وضاحيتها الجنوبية”.
لكن مساعي ميقاتي لم تكن لتنجح لولا وجود نوايا مسبقة لدى الادارة الأميركية برسم خطوط حمر لاسرائيل كي لا توسّع دائرة استهدافتها بإتجاه المرافق العامة والمؤسسات الحيوية التي قد تعيد لبنان، إذا قُصفت، إلى العصر الحجري فعلاً.
في المقابل، طلبت واشنطن من الحكومة اللبنانية بعض الإجراءات والتدابير التي تُطمئن اسرائيل في ما يتعلّق بمطار بيروت، كمنع استقبال الطائرات الايرانية، وتسليم الجيش اللبناني مهمة تفتيش المحتويات التي تصل إلى المطار. وهذه الخطوات كانت ضرورة للنأي بالمطار عن أي استهداف اسرائيلي.
والمفارقة أن وتيرة القصف الاسرائيلي للضاحية الجنوبية باتت أقرب إلى “الصفر”، مع محافظة اسرائيل على المراقبة الجويّة، وعلى الرغم من التطمينات الأميركية لن تكون الضاحية خارج الاستهدافات إذا شعرت اسرائيل بأي تحركات مشبوهة لـ”الحزب” فيها، وهذا ما أعلنه المسؤولون الاسرائيليون العسكريون مراراً وتكراراً، علماً أن اسرائيل تفرض حصاراً جوياً وبحرياً وبرياً على “الحزب” لقطع طريق الإمدادات إليه. ويتساءل بعض المسؤولين اللبنانيين: “هل بقي شيء للحزب في الضاحية حتى تقصفه اسرائيل؟”، ولهذا السؤال ما يبرره بعد سلسلة غارات اسرائيلية عنيفة على كل ما يُشتبه به كمخازن صواريخ وأسلحة هناك.
ويُشير تقرير أميركي رسمي وُزّع على بعض مراكز الدراسات الأميركية إلى أن الادارة الأميركية تُراقب عن كثب أي مبالغات عسكرية قد تقوم بها اسرائيل في لبنان خارج نطاق استهداف البنية التحتية العسكرية لـ”حزب الله”، بحيث ستسعى إلى التدخّل عند كل تجاوز للخطوط الحمر، وهي لن تسمح بأن يتحوّل لبنان الى غزة ثانية التي شُرّد أكثر من 90 في المئة من سكّانها وقُتل منهم أكثر من 41 ألف ضحية من المدنيين.
وتضمّن التقرير اعترافاً بأن الولايات المتحدة تدعم إسرائيل بمخططها في إلحاق أكبر قدر من الضرّر بـ”الحزب”، إلّا أنّه ضررٌ موضعي، ولن يطال لبنان بأسره كما حصل في غزّة. هناك قناعة بأن الحرب هي بين إسرائيل و”الحزب”، وليس بين إسرائيل ولبنان، مؤكداً أنه ما دام الجهد العسكرى الاسرائيلي يتمحور حول ضرب قدرات “الحزب”، ولم ينزلق إلى تدمير واسع للبنى التحتية اللبنانية وإصابة المدنيين بصورة واسعة، فواشنطن قادرة على استيعاب العملية.
وما يجب التوقّف عنده في هذا التقرير هو شمول الخطوط الحمر الأميركية في لبنان ليس العاصمة بيروت والمرافق العامة والمؤسسات الحيوية والمدنيين وحسب، إنما تعتبر الادارة الأميركية أن الجيش اللبناني هو من الخطوط الحمر الأساسية لاعتبارات عدة أهمها أن واشنطن استثمرت كثيراً في هذا الجيش مالياً وتدريباً وتجهيزاً، والتعويل على دوره في المرحلة المقبلة لتطبيق القرارات الدولية والإنتشار في المناطق الحدودية وما يُعرف بالمنطقة العازلة الخالية من وجود “الحزب” لجهة عناصره وسلاحه. وما سقوط بعض الشهداء من الجيش إلا حوادث غير مقصودة من اسرائيل أو محاولة لإبعاده عن مسرح العمليات، فشروط الولايات المتحدة صريحة وواضحة في ما يخص الجيش اللبناني.
طبعاً لا شيء يضبط الصراع بين اسرائيل و”الحزب” مئة في المئة، ولا ضمانات حتميّة في هذا المجال، حتى ولو وضعت واشنطن خطوطاً حمراً لإسرائيل، فرئيس حكومة الحرب بنيامين نتنياهو أثبت تفلّته من الضوابط إلى حدّ كبير، و”الحزب” يسعى إلى انتصار يعيد له بعض التوازن حتى ولو تخطى الخطوط الحمر في استهداف الأماكن الآمنة في اسرائيل، وهذا ما قد يجعل المحظورات مُباحة، ولا تبدو المعايير الأخلاقية والانسانية محترمة كثيراً من الطرفين في هذه الحرب العبثيّة.


