سطوة اسرائيل!

جورج حايك

لا بد من الاعتراف بسطوة اسرائيل على “حزب الله”، وهذا ما تظهره الوقائع حتى الآن بعد مرور أكثر من عام على إعلان “الحزب” بدء حرب إسناد لقطاع غزة، ورفضه كل المبادرات الديبلوماسية الأميركية لوقف الحرب والتراجع 10 كيلومترات عن الخط الأزرق، أي تنفيذ جزئي للقرار 1701، مصرّاً على ربط جبهة الجنوب اللبناني بغزة. لكن اليوم بعد توسّع العملية العسكرية الاسرائيلية والضربات القوية التي تعرّض لها “الحزب” وبعد اغتيال أمينه العام حسن نصر الله ورئيس مجلس الشوري هاشم صفي الدين، مروراً بضرب هيكيلية “قوة الرضوان” وتدمير عدد كبير من مخازن الصواريخ والبنية التحتية العسكرية من أنفاق وتحصينات لـ”الحزب” في القرى الحدودية، تراجع الحزب عن شروطه راضخاً لوقف اطلاق النار من دون ربطه بقطاع غزة، مبدياً استعداده للتباحث في تطبيق القرار 1701، ولا سيما التراجع إلى ما وراء الليطاني، كما تردّد.

وهذا يعني أن ما لم يقبله “الحزب” سابقاً بالديبلوماسيّة، بات يقبل به اليوم تحت الضربات الاسرائيلية الحازمة، وكل ما يتباهى به من انجازات في المعارك البريّة لا يضاهي ما حققته اسرائيل من انجازات ربما تتجاوز الـ80 في المئة.

وكلمة حق تُقال ان معارضي “الحزب” اللبنانيين يطالبونه منذ العام 2005 بتسليم سلاحه إلى الجيش اللبناني بعد زوال الحاجة اليه إثر انسحاب اسرائيل من لبنان عام 2000، والاحتكام إلى الديبلوماسية في مسألة مزارع شبعا، إلا أن “الحزب” مارس العنف ضد معارضيه ورفض تطبيق البند الذي ينص على حلّ كل الميليشيات في الدستور اللبناني خدمة للمشروع الايراني في المنطقة، ومارس نهجاً احتيالياً على القرارات الدولية.

وتلفت مصادر في المعارضة إلى أن هذا التحايل قصته قديمة وتعود إلى ما بعد اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميّل، صدر قرار مجلس الأمن رقم 520 في 17 أيلول 1982، وكان يهدف إلى مساعدة لبنان على العمل تحت السلطة الوحيدة والحصرية لحكومة لبنان من خلال الجيش اللبناني في جميع أنحاء البلاد. وكان من المقرر أن تلعب قوة مراقبة “اليونيفيل” دوراً في هذا الجهد، لكن السيطرة السورية الايرانية تحدت الأمم المتحدة بكل بساطة، وأطاحت القرار.

وفي 2 أيلول 2004، بينما كانت القوات السورية لا تزال على الأراضي اللبنانية، دعا قرار مجلس الأمن رقم 1559 إلى “حل ونزع سلاح جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية”. وفي العام التالي انسحب الجيش السوري من لبنان، وتجاهل “الحزب” الأمم المتحدة من دون عقاب.

واستمر الخداع، ففي 11 آب 2006، دعا قرار مجلس الأمن رقم 1701، بعد الحرب الاسرائيلية اللبنانية الثانية، إلى وقف إطلاق النار مع حل شامل يقوم، إلى جانب حظر وجود “الحزب” جنوب نهر الليطاني، على نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة في لبنان. لكن نصر الله رفض نزع سلاح “الحزب”، متذرعاً بأنه قادر على الدفاع عن لبنان ضد التهديدات الاسرائيلية. وأعادت إيران تسليحه في تحد للقرار 1701، ووقفت “اليونيفيل” مكتوفة الأيدي ولم تفعل شيئاً.

وعلى الرغم من محاولات واشنطن وباريس الضغط من أجل وقف إطلاق النار منذ 8 تشرين الأول 2023 وتنفيذ القرار 1701، رفض “الحزب”، إلى أن قررت اسرائيل تنفيذه بالقوة، وأدت عملياتها العسكرية حتى اليوم إلى سقوط 3000 شهيد و13 ألف جريح وأكثر من مليون نازح. وفرضت حصاراً بحرياً وجوياً وبرياً على “الحزب” وقلّصت الكثير من قدراته، وسحقت مؤسساته الصحيّة والرعائية والاقتصادية وامكاناته المالية، بإختصار لقد دمّرت اسرائيل “دويلته”.

يحاول “الحزب” اليوم أن يصل إلى وقف اطلاق النار، من دون شروط، ليلتقط أنفاسه. وعلى الرغم من تخليه عن ربط ذلك بغزة، ترفض اسرائيل وتستمر في حربها الضارية على الحدود، ويرى المحلل العسكري مارك وود الذي شارك في حرب الخليج الثانية مع الجيش البريطاني أن “الحزب” لا يزال يعيش وهم المقاومة، صحيح أنه يكبّد الجيش الاسرائيلي بعض الخسائر البشرية ويُراهن على الوقت لينتفض الرأي العام الاسرائيلي على خيارات رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلا أن رهانات “الحزب” لا تبدو صائبة، لأن اسرائيل تعتبر هذه الحرب وجودية، والمجتمع الاسرائيلي مجهّز نفسياً لمثل هذه الخسائر، بل يبدو أن السحر سينقلب على الساحر، والتململ بدأ لدى بيئة “الحزب”.

ما تفعله اسرائيل على الحدود اللبنانية الجنوبية، وفق وود، ليس عبثياً، وايحاء “الحزب” بأنه يمنع الجيش الاسرائيلي من التقدّم ليس دقيقاً، لأنه حدّد أهدافه منذ البداية وهي تدمير البنية التحتية لـ”الحزب” أي الأنفاق والتحصينات وكل مواقعه، وهذا ما حصل، فالجيش لا يريد أن يبقى في هذه القرى، بل أنشأ شريطاً نارياً يبلغ عمقه عدة كيلومترات على طول الحدود. في الوضع الحالي، يرغب جيش الدفاع الاسرائيلي في إكمال هذه العملية في غضون الأسابيع القليلة المقبلة، ما سيتيح عودة بعض عشرات الآلاف من الاسرائيليين الذين أجبروا على ترك منازلهم في الشمال منذ 8 تشرين الأول 2023.

لن يقبل نتنياهو بأن يُجدد “الحزب” قدراته بعد هذه الحرب، ويشير وود إلى أن الميدان اليوم يعطي أفضلية كبيرة لإسرائيل المتفوّقة عسكرياً على “الحزب” وسيستثمر رئيس حكومتها ذلك في أي تسوية آتية ولن تكون بعيدة مع عودة الموفد الديبلوماسي الأميركي آموس هوكشتاين إلى المنطقة وتحديداً إلى لبنان، ولا أكشف سراً بأن “الحزب” وافق على الإنسحاب 30 كيلومتراً من الحدود. والشروط التي ستضعها اسرائيل من خلال تنفيذ كل بنود القرار 1701 تكفل عدم إعادة تأهيل “الحزب” عسكرياً وقطع خطوط إمداد الأسلحة من سوريا.

وليس معروفاً ما إذا كانت اسرائيل ستقبل بإشراف الجيش اللبناني و”اليونيفيل” فقط على تنفيذ القرار 1701، ويؤكّد وود أن اسرائيل ستطلب ضمانات من الولايات المتحدة الأميركية لعدم تكرار ما حصل بعد حرب تموز 2006، وبالتالي سيكون كل من مطار رفيق الحريري الدولي ومرفأ بيروت وكل المعابر اللبنانية مع سوريا مراقبة على نحو لصيق.

لقد ضعف “حزب الله” إلى حدّ كبير، ومطاردة اسرائيل لقادته الأمنيين والعسكريين وآخرها عملية الكومندوز في البترون، تثبت سطوة اسرائيل على “الحزب”، وهذا ينسحب على كل مستويات المواجهة أكان التفوّق الجوي والبحري والتكنولوجي والاستخباراتي وحتى في العمليات البرية التي خسرت فيها اسرائيل بعض جنودها، إلا أن الفاتورة لا تزال أقل من فاتورة حرب تموز 2006، ويبدو أن اسرائيل تعلّمت كثيراً من الحرب السابقة وما أنجزته على الحدود يُحقق أهدافها وأهمها إبعاد “قوة الرضوان” ومنع خطر الغزو للجليل، ولا شك في أن الثمار الأساسية المتوقّع أن تقطفها اسرائيل ستكون عبر التسوية المقبلة التي ستكرّس ما يشبه خريطة الطريق لاستسلام “الحزب” وقبوله بتفكيك بنيته العسكرية خلال سنة كاملة.

شارك المقال