لن يكون الإرث الذي ستتركه إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن للرئيس المنتخب دونالد ترامب، سهلاً ولا مريحاً، بل سيتسلم الأخير في 20 كانون الثاني المقبل شرق أوسط مضطرباً، مع استمرار الحروب في غزة ولبنان فضلاً عن الضربات المتبادلة بين اسرائيل وإيران.
لكن للوهلة الأولى، يُمكن استنتاج انطباعات ما ستكون عليه العلاقات الأميركية بأطراف الصراع من رد الفعل حيال انتخاب ترامب، فاسرائيل والسعودية مثلاً رحّبتا بذلك، أما ايران فأبدت عدم مبالاة يخفي هواجس ومخاوف من الآتي، وخصوصاً أن سياسة ترامب تتسّم بالحزم مع ايران، ولن يكون متساهلاً مع طموحاتها النووية والتوسعيّة، كما كان سلفه بايدن، بدليل أنه قبل انتخابه بدا غير ممانع لضربة اسرائيلية توجّه إلى المنشآت النووية، وهذا ما يُنذر بعواصف قادمة على إيران إن لم تتواضع وتقبل بالشروط الأميركية التي ستفرضها إدارة ترامب.
قد يكون الإنطباع الأولي لا يحاكي عمق الأزمة وما سيحصل مع بدء تنفيذ ترامب استراتيجيته السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط، ويعتبر اللبنانيون الذين يدورون في فلك ترامب أن محور سياسته سيقوم أولاً على منع إيران من الحصول على سلاح نووي، ثانياً الحد من دور ايران في المنطقة وتصرفاتها المزعزعة للإستقرار عبر أذرعها العسكرية، ثالثاً السير في تحالفاته الشرق أوسطية ضد الخيار الشيعي الذي اتخذه الرئيس السابق باراك أوباما، وسينفتح على الخيار السني عبر تحالفه مع السعودية ودول الخليج في المنطقة وإكمال اتفاقيات “ابراهام”، رابعاً لن يسمح بأي حلّ على حساب اسرائيل، وسيدعمها على نحو لافت، بإعطاء هامش حريّة كبير لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو من أجل هزم حركة “حماس” و”حزب الله”.
من الواضح أن الصراع في الشرق الأوسط مُقبل على تطورات كبيرة، ولن يتأخر ترامب في تفعيل الدور الأميركي لأنه لا يريد للصراع أن يطول كما كان يُردّد دائماً. وتشير المعلومات الآتية من واشنطن إلى أنه لن ينتظر حتى انتقاله إلى البيت الأبيض في 20 كانون الثاني، ليمارس الضغوط والاتصالات، لأن الوضع لا يسمح ببقائه مكتوف اليدين، وربما التأثير الأول سيكون عبر تفريغ مهمة الموفد الأميركي آموس هوكشتاين، التابع لإدارة بايدن، من محتواها، لأن إدارة ترامب المقبلة لن تقبل بأي تساهل مع “حزب الله”، وقد تُرجم ذلك أيضاً بزيادة الضغط العسكري الاسرائيلي عبر العودة إلى قصف الضاحية الجنوبية لبيروت بعنف أكبر، وإعادة النظر بأمد العمليات في الجنوب اللبناني، وربما التوسّع في الهجوم ودخول الجيش الاسرائيلي إلى عمق أكبر.
ملامح كثيرة بدأت تظهر حتى قبل تسلم ترامب صلاحياته الدستورية، ويؤكد هؤلاء المقربون منه أن المنطقة ستشهد توزيع أدوار بين الولايات المتحدة التي ستتولى أمر إيران عبر سياسة عقوبات اقتصادية قاسية من جهة، واسرائيل التي ستتكفّل بتفكيك الأذرع العسكرية الإيرانية عسكرياً من جهة أخرى.
واللافت أن الجوّ السياسي بدأ يتغيّر بعدما كانت اسرائيل تتحدّث عن خطر وجودي باتت إيران تشعر بهذا الخطر، كل ذلك سيدفع الأخيرة إلى البحث عن اتفاق مع واشنطن هدفه المحافظة على نظامها وإن اضطرت إلى التراجع في الشروط النووية والتخلي عن أذرعها العسكرية التي أُنهكت ولا سيما “الحزب” و”حماس” وحتى “الحوثي”.
لا شك في أن الشهرين المقبلين على لبنان سيكونان خطرين وصعبين، وفق المعلومات التي كشفها المقربون من ترامب، لأن نتنياهو سيستفيد من “قبّة الباط” الأميركية لإضعاف “الحزب” أكثر، لذلك أقدم على تغيير وزير الدفاع يواَف غالانت المقرّب من بايدن وكلّف المتطرّف يسرائيل كاتس الذي تعهّد بالقضاء على “حماس” و”الحزب”. إلا أنه مع تسلم ترامب مسؤولياته، قد تبدأ المبادرات الديبلوماسية “الترامبية” بشروط قوية وحازمة، لأنه رفع شعاراً في حملته الانتخابية هو “إنهاء الحروب”، وبالتالي يريد أن يبدأ عهده من دون عنف ودماء ودمار.
وأبعد من ذلك، يُرجّح ان تبدأ رؤية ترامب للشرق الأوسط الجديد، كما يؤكّد عارفوه، من حيث إنتهى عام 2020، وهو اتفاقيات “ابراهام” بين اسرائيل والدول العربية عموماً والخليجية خصوصاً، وستتركّز مساعي إدارة ترامب على تطبيع العلاقات بين اسرائيل والسعودية، لكن ذلك يتطلب جهداً كبيراً من الولايات المتحدة واسرائيل، لأن الشرط السعودي لإبرام أي اتفاق مع اسرائيل هو ايجاد حلّ للقضية الفلسطينيّة، لذلك من المتوقع أن تكون الأمور مترابطة ولا تُحل إلا بحلّ كامل وشامل يأخذ في الاعتبار الهواجس العربية.
ولا يغيب عن بال ترامب الشراكة التكنولوجية وما يُسمّى ثورة الذكاء الاصطناعي التي تعتبر قاسماً مشتركاً بين الولايات المتحدة واسرائيل والسعودية، إذا رضخت إيران للشروط الأميركية وتخلت عن طموحها التوسعي غير المشروع، ربما تنضم إلى قافلة ترامب تحت عنوان اتفاقيات “ابراهام”.
قد تكون مهمة ترامب صعبة، وقد لا تكون، إلا أن الرجل معروف بأنه يتمتع بإرادة قوية بل حديديّة، هو رجل أعمال ناجح، يجري الصفقات “فوق الطاولة” ويعطي كل صاحب حق حقه، وهذا ما سيظهر تباعاً في الأشهر المقبلة.


