على الرغم من أن الولايات المتحدة سعت منذ فترة طويلة الى الحد من تدخلها في الشرق الأوسط، تلوح حرب إقليمية في الأفق. ومن المرجح أن تدفع الفرص الناشئة والمنافسة المتزايدة مع الصين واشنطن الى الانخراط بصورة أكبر وإعادة ترتيب المنطقة، بحسب مقال في وقع “فورين بوليسي”.
ووفقاً للمقال، “تشير الخيارات المتاحة للأدوار الرئيسية في السياسة الخارجية والأمن القومي حتى الآن إلى تفضيل سياسة أميركية نشطة في المنطقة بدلاً من النهج الانعزالي. فهل يبالي دونالد ترامب حقاً بالشرق الأوسط؟
الحقيقة أنه لا ينبغي أن نستبعد أن سياسة الولايات المتحدة المستقبلية ربما لا تزال تحتفظ بعناصر انعزالية ملحوظة، مدفوعة جزئياً بإحجام ترامب عن نشر القوات والتدخلات الأجنبية. ومع أخذ كل الأمور في الاعتبار، يبدو أن فوز ترامب سيغير ديناميكيات القوة الاقليمية لصالح إسرائيل ويضع إيران في موقف غير مؤات. وأثار فوز ترامب نقاشاً متجدداً حول سياسته الخارجية وعن توقعات ولايته الثانية مقارنة بولايته الأولى وولاية الرئيس الحالي جو بايدن.
المواجهة بين إسرائيل وإيران
ويشكل الصراع المتصاعد بين إيران وإسرائيل القضية الاقليمية الأكثر إلحاحاً، مع وجود خطر حقيقي بالتطور إلى حرب شاملة ومتعددة الأطراف والجبهات. ويعتمد الكثير في ما يتعلق بمسار المواجهة بين إيران وإسرائيل على تصور التهديد وحساب المخاطر والأهداف الاستراتيجية لكل جانب. وكانت إيران في موقف رد الفعل في الغالب منذ الهجوم الاسرائيلي على القنصلية الايرانية في دمشق في أبريل/نيسان. واكتسبت إسرائيل مبادرة استراتيجية بشأن إيران وهي الطرف الذي سيقرر ما إذا كان سيتم التصعيد ومتى وكيف وأين بناءً على الثمن الذي ترغب في دفعه مقابل الغايات التي تحددها لنفسها.
وفي حين أشاد رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو بعودة ترامب إلى البيت الأبيض، تنظر طهران إلى هذا الاحتمال بحذر شديد. ومع ذلك، يعتمد الكثير في العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران على اتجاه البرنامج النووي الايراني وعلى استعداد إيران للتفاوض مع إدارة ترامب، الذي أشار في عدة مناسبات إلى أنه لا يسعى إلى تغيير النظام في طهران وأنه يريد التوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الايراني. ويبدو أن المسؤولين الايرانيين يرحبون بحذر بهذا النهج، بهدف تجنب احتمال نشوب حرب مع الولايات المتحدة أو إسرائيل وتخفيف العقوبات المدمرة المفروضة عليهم منذ عقود.
ولكن ما هو نوع الاتفاق الذي ستكون إيران قادرة على التفاوض بشأنه؟ هل سيركز فقط على البرنامج النووي الايراني، وإذا كان الحال كذلك، كيف سيختلف عن خطة العمل الشاملة المشتركة؟ خلال فترة ولايته السابقة، انسحب ترامب من خطة العمل الشاملة المشتركة وأصدر مجموعة من اثنتي عشرة نقطة من الشروط لإجراء محادثات مع إيران، والتي تضمنت إنهاء البعد العسكري لبرنامجها النووي، والسماح بعمليات تفتيش صارمة ومفاجئة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ووقف برامج إيران الباليستية.
وتعتمد سياسة ترامب تجاه طهران أيضاً على الشخصيات التي يعينها في أدوار رئيسية تتعلق بالأمن القومي والسياسة الخارجية في مؤسسات مثل وزارة الخارجية – وتحديد الشخص الذي يتولى ملف إيران – ووزارة الدفاع، ومجلس الأمن القومي. وعموماً، في حين أن من المرجح أن تتجنب إدارة ترامب سياسة تغيير النظام بصورة مباشرة، من المحتمل أنها ستتبع حملة الضغط القصوى من خلال فرض عقوبات جديدة على الصناعات والمسؤولين الايرانيين الرئيسيين، وتطبيق العقوبات الحالية بصرامة على مبيعات النفط الايرانية (التي تضاعفت في عهد بايدن) واعتماد نهج “الدعم الأقصى” في حالة حدوث اضطرابات داخلية في إيران، وربما دعم الضربات الاسرائيلية على طهران.
الانتشار العسكري الأميركي في سوريا والعراق
وهناك قضية رئيسية أخرى لإدارة ترامب القادمة في الشرق الأوسط وهي الوجود المستمر للقوات الأميركية في سوريا والعراق، والتي واجهت العديد من الهجمات من وكلاء إيران، وكثيراً ما يتم التشكيك بهدفها الاستراتيجي في واشنطن. ونظراً الى تركيز ترامب على إنهاء الحروب في الخارج، فقد يميل إلى إعادة هذه القوات إلى الوطن. ومع ذلك، فإن القول بمثل هذا القرار أسهل من الفعل، حيث يظل نشر هذه القوات أمراً حاسماً للاستقرار الاقليمي ومصالح الولايات المتحدة.
كما أن سوريا ساحة مركزية للتنافسات الاقليمية والعالمية المتشابكة على مدى العقد الماضي. وتنقسم البلاد حالياً إلى ثلاث مناطق رئيسية، تدعم كل منها قوة إقليمية أو عالمية كبرى. ويسيطر الأسد على الجزء الغربي من سوريا، بدعم من إيران ووكلائها الاقليميين وروسيا. وتسيطر قوات سوريا الديموقراطية التي يقودها الأكراد على المناطق الغنية بالطاقة في شمال البلاد وشمال شرقها. ويخضع شمال غرب وأجزاء من شمال سوريا لسيطرة مجموعات مختلفة، معظمها إسلامية تدعمها تركيا.
أما في العراق، فلا تزال العلاقة بين الولايات المتحدة والعراق متوترة بعد مرور أكثر من عقدين من إطاحة نظام صدام حسين وصعود النظام السياسي الحالي في البلاد. ومؤخراً، توصل المسؤولون العراقيون والأميركيون إلى اتفاق يقضي بانسحاب القوات الأميركية من العراق بحلول نهاية العام 2026. وقد تجد إدارة ترامب القادمة أن من المغري سحب القوات الأميركية من العراق إما قبل الأوان أو وفقاً للخطة المقررة، أو اعتماداً على مسار الأحداث الاقليمية وسلوك العراق في سياق الصراع الايراني الاسرائيلي المستمر، فقد يقرر إبقاء قواته في العراق. ومن المحتمل أن تجعل الهجمات المستمرة على إسرائيل العراق هدفاً للجيش الاسرائيلي، كما حدث مع أعضاء آخرين في المحور المدعوم من إيران في لبنان واليمن.
الشرق الأوسط في لحظة التنافس العالمي
وعلى الرغم من أن صنّاع السياسات في الولايات المتحدة يدعون الى التركيز على شرق آسيا وأوروبا الشرقية لمواجهة الصين وروسيا، يبقى الشرق الأوسط جزءاً لا يتجزأ من المنافسات العالمية. وحققت الصين نجاحات كبيرة من خلال الشراكات الاقتصادية والطاقة والتجارية وعززت نفوذها الديبلوماسي من خلال التوسط في الاتفاق الايراني السعودي لعام 2023. وتعد المنطقة أيضاً مركزية لطرق التجارة العالمية، كما يتضح من مبادرات مثل الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا ومبادرة الحزام والطريق الصينية، التي تسعى إلى دمج موارد الطاقة الهائلة في المنطقة.
ويميل اللاعبون مثل إيران إلى تصميم سياساتهم في المنطقة أو دعمهم لروسيا ضد أوكرانيا كجزء من استراتيجية أوسع لتقويض نفوذ الولايات المتحدة وتحدي النظام العالمي الذي تهيمن عليه. ومن الضروري النظر إلى المنطقة بصورة شاملة لفهم الأهمية الأوسع للأحداث الاقليمية والمخاطر التي تنطوي عليها”.


