“التوك توك” في لبنان يتحدى قرارات المنع… والحل في تنظيمه؟

راما الجراح

تطلق عدة جهات معنية كل عام صرخة ضد “التوك توك”، وتعيد إثارة الجدل حول انتشاره في الشوارع اللبنانية. ولكن، على الرغم من هذه “الهمروجة” الموسمية، لا يزال “التوك توك” يسير، يُستخدم، ويُسجَّل، فهل نحن أمام تناقض قانوني أم تغطية لعجز الدولة عن إيجاد بدائل؟

في زحلة والدكوانة، كثر الحديث عن رفض تسجيل مركبات “التوك توك”، ولكن بحسب مصادر خاصة لـ”لبنان الكبير”، لا وجود لأي قرار رسمي يمنع تسجيلها حتى الآن، لا من وزارة الداخلية، ولا من هيئة إدارة السير، ولا حتى من الجمارك، فما يحدث هو تعميم صادر عن قوى الأمن الداخلي وبعض البلديات، وليس قراراً تنفيذياً ملزماً.

وتؤكد المصادر أن شهادة الجمرك التي تُمنح لـ “التوك توك” ما زالت تصنّف هذه المركبة على أنها آلية لنقل الركاب، وصك البيع يُسجل تحت مسمى “توك توك – دراجة نارية”، وكل ذلك بغطاء قانوني. وفي المقابل، يتمكن المالك من إظهار لوحته، ودفع رسوم الميكانيك بناءً على قوانين نافذة، ما يكشف عن تناقض قانوني واضح في آلية التعاطي الرسمي مع هذه المركبة.

ونفّذ عدد من سائقي “التوك توك” في مناطق البقاع الغربي تحركاً احتجاجياً أمام سرايا جب جنين رفضاً لقرار وزارة الداخلية الأخير الذي يمنع استخدام “التوك توك” لنقل الأشخاص، ويقصر عمله على خدمات التوصيل ونقل الحاجيات فقط.

وعبّر السائقون خلال التجمع عن غضبهم من القرار الذي يرونه جائراً في ظل الأوضاع الاقتصادية المتدهورة. ويقول أحدهم لـ”لبنان الكبير”: “نحن لا نسرق ولا نخالف، بل نعمل بكرامة، هذا التوك توك أطعم أولادي، وإذا أوقفوه فإنهم يهددون لقمة عيشنا، لن نقبل بذلك حتى آخر رمق”.

ويلفت صاحب أحد محال “التوك توك” عبر “لبنان الكبير” الى أن النسبة الأكبر من سائقي التوك توك كانت من السوريين، منذ بدء النزوح السوري، وخصوصاً في القرى والمخيمات، لكن مع تراجع أعدادهم وعودة قسم كبير منهم إلى بلدهم، تقلّصت نسبة المخيمات بنحو 70%، ونتيجة هذا التحوّل، بدأ اللبنانيون بأخذ مكانهم خلف مقود “التوك توك”، وصاروا يشكلون الأغلبية في هذا القطاع، بعدما تغيّرت النظرة الشعبية إلى وسيلة النقل هذه.

ويشير الى أن “اللبناني يقود التوك توك اليوم ليؤمّن قوت يومه، يتنقل فيه بين المستشفيات، الشركات، والمناطق الشعبية داخل البلدات، ويوفّر للناس وسيلة نقل ميسّرة في ظل ارتفاع كلفة التنقل بالتاكسي أو السيارات الخاصة، وقد وصل سعر التوك توك في بدايات انتشاره إلى 2000 دولار، وارتفع اليوم إلى نحو 3000 دولار، وقد تؤدي أي قرارات عشوائية بمنع تسجيله أو حظر سيره إلى ضرب سوق البيع والشراء، وتكبيد السائقين والمستوردين خسائر فادحة”.

وبحسب معلومات خاصة لـ “لبنان الكبير”، فإن دخل الدولة من تسجيل هذه المركبات لا يُستهان به، وقد تم التراجع عن قرار سابق بوقف تسجيلها بسبب المردود المالي الكبير. كما تشير مصادر خاصة من أوساط قريبة من شركات استيراد “التوك توك” لـ”لبنان الكبير” الى أن حمولات ضخمة من هذه المركبات لا تزال تصل إلى مرفأ بيروت، وآخرها شحنة في شهر آب المقبل تُقدّر قيمتها بنصف مليون دولار، كما يجري التحضير لشحنات جديدة في شهري تشرين الأول وكانون الأول، ما يشير إلى أن الاستيراد لم يتوقف، بل ازداد، في ظل تزايد الاعتماد على هذه الوسيلة.

أصبح “التوك توك” واقعاً لا يمكن التغاضي عنه، والافادة منه لا تقتصر على سائقه وحسب، بل تمتد إلى الدولة التي تجني أرباحاً من تسجيله ورسومه. لذا، لا حاجة الى منعه بقدر ما هناك حاجة الى تنظيم عمله، ومن المقترحات المطروحة من أصحاب بيع “التوك توك”: فرض دفتر سواقة من الفئة “ب” على السائقين، إلزامهم بتأمين شامل لحماية الركّاب والمارة، ومنع استخدامه لنقل التلاميذ أو سيره على الأوتوسترادات حرصاً على السلامة.

إذاً، رفض “التوك توك” من دون بدائل حقيقية ليس إلا تجاهلاً لحاجة مجتمعية قائمة، وربما محاولة لحجب الشمس بالغربال في زمن الأزمات الاقتصادية التي يبدو فيها “التوك توك” وكأنه “دواء مرّ”!

شارك المقال