مرّت ثمانية أشهر على توقّف الحرب، ولا يزال الإعمار مؤجّلًا في المناطق الحدودية، حيث تاهت ذكريات أبنائها تحت غبار الأنقاض. وحتى الآن، ما زالت المنازل القليلة هناك تتعرّض للتفجير، فيما تتكرّر الاعتداءات من اغتيالات وتوغلات.
ولم يعد السكان بعد، فكيف يعودون ولا حجر على حجر؟ لا إعمار استؤنف، ولا تعويضات صُرفت، ولا حتى من يسأل عنهم أو يحزن لحالهم. أمّا مصيرهم، كغيرهم من أبناء الجنوب الذين خسروا منازلهم، فلا يزال مجهولًا. لكن الخسائر هناك كانت أعمق، إذ لم تقتصر على فقدان المأوى، بل شملت أيضًا تدمير المحاصيل الزراعية التي كانت مصدر رزقهم، وخسارة مؤسساتهم التجارية، ما أدى إلى ارتفاع البطالة، وعجز الأهالي عن دفع إيجارات منازلهم المؤقتة، في ظل شبه غياب للدولة وانعدام شبه تام لأي تعويضات.
حتى الآن، لم تُصرف شيكات الترميم، ولا حديث عن إعادة إعمار، سواء لأسباب سياسية أو غيرها. لذلك، أُسِّس “تجمّع أهالي الجنوب والمناطق الحدودية” يوم الأحد الفائت.
يؤكّد طارق مزرعاني، وهو من أبناء القرى الجنوبية الحدودية، أن هذا التجمّع الأهلي هو إطار مطلبي، سلمي، مدني، تطوعي، ومستقل لا يتعاطى الشأن السياسي. وقد تداعى لتأسيسه عدد من الأهالي والفعاليات من تلك القرى للدفاع عن حقوق الناس بعيدًا عن الاصطفافات.
ويقول مزرعاني: “نحن أبناء القرى الحدودية في جنوبي الجنوب، أبناء القهر والمعاناة والصمود منذ ما قبل عام 1948 وحتى اليوم. أبناء شريطٍ يجسّد صورة مصغّرة عن لبنان بتنوّعه وغناه، وقدّم آلاف الكفاءات والشهداء والجرحى. بنينا بيوتنا بعرق التبغ والاغتراب، لكن كل ما بنيناه ضاع. ومع ذلك ما زلنا صامدين، نطالب بالحياة والعلاج والكرامة والعودة.”
ويشدّد على أن “الحرب لم تنتهِ بعد، فالاعتداءات مستمرة، والدمار متواصل، والإعمار مرفوض، والناس ما زالوا مشرّدين.” ويذكّر بأن القرى الحدودية، بما فيها تلك الواقعة ضمن ما يُسمى “النقاط الخمس”، هي أراضٍ سُقيت بالدم والدمع، وبعضها ما زال تحت الاحتلال، مثل قرية هونين التي أعيد بناؤها ثم دُمّرت مجددًا.
كما يحذّر من محاولات تفريغ بعض المناطق من سكانها، مؤكدًا أن لهذه الأرض أصحابًا لن يتخلّوا عنها، رغم التهجير والتدمير والإهمال.
وانطلاقًا من هذا الواقع، يناشد مزرعاني الدولة والجهات المعنية وكل من بيده القرار الاستجابة الفورية للمطالب الأساسية، وفي مقدّمها: إعلان المنطقة المتضرّرة “منطقة منكوبة”، تأمين العودة الآمنة للسكّان، رفع الأنقاض، إعادة تشغيل المستشفيات والمدارس والمرافق العامة، والبدء بدفع التعويضات للمتضررين، ولا سيما أصحاب البيوت والمحال التجارية والمزارعين.
كما يطالب بـ”إصدار بطاقة صحية تتيح للناس الاستشفاء مجانًا، وتأمين التعليم لأبنائهم، وإعفائهم من الرسوم والضرائب والغرامات الرسمية.” ويقترح السماح لأبناء هذه القرى بسحب ودائعهم المصرفية لتأمين معيشتهم، وإنشاء صندوق تمويل خاص يُموَّل عبر ضرائب مخصّصة أو هبات لدعم الإيجارات وعودة النازحين، خصوصًا مع اقتراب الشتاء وبدء العام الدراسي.
ويعتبر أن أصحاب المؤسسات والمهن الحرة، والمزارعين ومربّي المواشي، هم من الأكثر تضررًا، ويجب أن تشملهم برامج الدعم والتعويض، إلى جانب تقديم مبلغ مقطوع لكل عائلة مهجّرة كحد أدنى من الاعتراف بمعاناتها.
ويشير إلى أن هذا التحرّك ليس بديلًا عن أحد، بل مبادرة أهلية انطلقت من الأرض ومن وجع الناس، وليست موجّهة ضد أي جهة سياسية. ويقول: “نحن تجمّع مدني تطوعي بالكامل، يضم المستقلين ومن جميع الأطياف، من دون أي انتماء أو تمويل. هدفنا تخفيف معاناة الأهالي، وتقديم مقترحات عملية، وتأمين حياة كريمة لهم. بدأنا هذا التحرّك لأن الناس سألتنا: ماذا فعلتم؟ فقرّرنا أن نتحرّك.”
ويؤكّد أن “تحقيق المطالب ممكن، إذا وُجدت الإرادة. فبعضها لا يحتاج إلى أموال خارجية ولا إلى معجزات، بل فقط إلى قرارات واضحة، مثل سحب الودائع أو إصدار بطاقة صحية. أما الإعمار بالمعنى الواسع، فيُترك للحلول السياسية والدولية، لكن المعاناة اليومية يجب أن تكون أولوية لدى كل المعنيين.”
ويختم بالتشديد على أن “التجمّع يتحرّك ضمن هامش مدني واضح، لا يتحدّى أحدًا ولا يصطدم بأحد، بل يسعى لحماية المدنيين وتلبية حاجاتهم، فهم الطرف الأكثر تضررًا من كل ما يجري.”
بعدما بقي أبناء الجنوب رهائن التعقيدات والحسابات السياسية وغياب القرار، وُلدت من بين الركام مبادرات أهلية تسعى إلى إنعاش ما تبقّى من حياة في بقعة جغرافية يعتبر أهلها أنهم منسيّون في كل أزمة. صحيح أن هذه المبادرات لا تعوّض غياب الدولة والجهات المعنية، لكنها قد تشكّل مفتاح الفرج للقرى الحدودية، إن لاقت الدعم والاستجابة، بدل أن تبقى صرخة أبناء الجنوب خافتة لا تُسمع.


