طرابلس متأهبة… لهجوم الكلاب الشاردة

إسراء ديب
كلاب

من يتجوّل في شوارع مدينة طرابلس، يُدرك تماماً حجم انتشار الكلاب الشاردة فيها وعددها الذي لا يُستهان به، فيقرأ في وجوه النّاس حال الترقّب والقلق كما التأهب لأيّ هجوم محتمل قد “تشنّه” الكلاب التي بات من الصعب إحصاء عددها وانعكاساتها، في وقتٍ لا يعرف فيه المواطن كيفية ردّ أيّ هجوم من جهة، أو التفريق بين الكلب المسعور عن الآخر المسالم وغير المؤذي من جهة ثانية، خصوصاً وأنّ اقتناء الكلاب للمنازل في المدينة، لا يُعدّ أمراً مألوفاً إلّا للصيد أو الحراسة حسب الشريعة الاسلامية، وفي ظلّ غياب الصيد والحراسة عن منازل اعتادت السرقة والنّهب ليلاً ونهاراً، تبدو ظاهرة الكلاب الأكثر رواجاً وخطورة بعد تسجيل حوادث هجومية أقلقت أبناء المدينة.

وخلال جولة لـ “لبنان الكبير” في شوارع وأحياء طرابلسية عدّة، سجّل انتشار عشرات بل مئات الكلاب فيها، خصوصاً في الميناء أو عند محيط بلدية طرابلس، بساتين الزيتون في أبي سمراء والقبّة، وقد تسير هذه الكلاب معاً ضمن خطّ واحد، أيّ أكثر من عشرة في الوقت عينه، ما يزيد من حدّة الخوف لدى الكثيرين الذين لا يعرفون إنّ كان هذا الحيوان أليفاً أو مهاجم، لكنّه يعلمون أيضاً، أنّ أيّ خوف منها قد يدفعها إلى ملاحقتهم تلقائياً، وهذا ما تُؤكّده دراسة علمية، أنّ الكلب يُمكنه شمّ رائحة الخوف، “عند تعرّض الفرد للضغط في كلّ أنواع التحوّلات الفيزيولوجية في جسمه، بدءاً من معدّل ضربات القلب، وصولاً الى المواد الكيميائية التي تُطلق في مجرى الدّم”.

وقد يكون تعرّض الدّكتورة والناشطة هند الصوفي على طريق الميناء منذ ساعات، لهجوم شرس من الكلاب “الذين نهشوا في لحمها” وفق المتابعين، أو “هبّشوها تهبيش” على حدّ قولها، حرّك الملف جدّياً من جديد، إذْ استنكر الطرابلسيّون هذه الحادثة التي دفعت الصوفي إلى التوجّه للمستشفى لأخذ حقنة مضادّة لداء الكلب، ووصفت حالتها حينها بالمتوسّطة، لكنّ حال الغضب الشعبية من المسؤولين والمعنيين باتت أوضح هذه المرّة، لا سيما وأنّ الصوفي ليست وحدها من توجّه إلى المستشفى، بل هناك حالات أخرى تعرّضت لما هو “أشدّ” وفق الأطباء.

إحدى المواطنات توجّهت إلى المستشفى منذ أيّام بعد تهجّم كلبيْن عليها فمزّقا ثيابها ما عرّضها لغيبوبة سكّر حادّة، وتقول لـ “لبنان الكبير”: “مشكلة الكلاب تحتاج إلى حلّ، فلا يُمكننا التحرّك حرفياً”. ويُؤكّد مواطن آخر من أبي سمراء أنّه مواظب على صلاة الفجر يومياً، فلا يمشي إلّا والعصا معه “تحسباً لأيّ هجوم، والكلاب تخشى العصا أو من يحمل حجراً في يده”، وبالتالي هذه الطريقة باتت معتمدة في معظم أحياء طرابلس والشمال لتحصين النّفس قبيْل الصلاة.

في الواقع، يُؤكّد المتابعون أنّ مجموعات الكلاب حرمت النّاس من المشي ليلاً ونهاراً، كما أثرت في سائقي السيّارات “ما يُعرّض النّاس لحوادث سير، خصوصاً وأنّ بعض الكلاب يمشي أمام السيارة بلا وعي، فيضطّر صاحب السيارة إلى الابتعاد عنه، كما أنّ صوته ليلاً غير محتمل”.

طبيب بيطريّ يُشير لـ “لبنان الكبير” إلى أنّ عدد الكلاب غير مسبوق في المدينة ويتجاوز الـ 500، أمّا في لبنان فيتجاوز الـ 70 ألفاً بين كلب مسعور وغيره، ومنهم من طُرد من منزل صاحبه، لكنّ وزارة الصحة تُؤمّن العقاقير اللازمة، “ولا بدّ للبلدية من تعاونها مع جمعية رفق التي تُعنى بالحيوانات حالياً لمساعدتها في إتمام مبادرتها طرابلسياً في التعقيم والإخصاء للحدّ من تكاثر الحيوانات”، موضحاً أن “الكلاب في المدينة كانت موجودة بكثرة في جبل النفايات، وتعيش عليها، لكنّ إقفال المكب ودخول لبنان في أزمة اقتصادية ووباء كورونا دفعت النّاس إلى رمي كلابهم، ما رفع العدد ونقل الأمراض”.

وبعد إطلاق اللقاء النيابي الطرابلسيّ، بالتعاون مع جمعية “رفق” منذ أيّام، مبادرة تستهدف الحدّ من مشكلة الكلاب الشاردة في المدينة عبر تلقيحها وإخصائها، تُؤكّد الأوساط الطرابلسية أنّ “هذا النّوع من المبادرات لا يحلّ المشكلة جذرياً، لأنّه يحتاج إلى تمويل أوّلاً، وإضافة حلّ إليه ثانياً، يكمن في أهمّية التخلّص من هذه الأعداد الكبيرة بأيّة طريقة، لكنّها تبقى غير ممكنة في ظلّ وجود جمعيات ترفع صوتها كلّ مرّة ضدّ تسميم الكلاب أو قتلها، أيّ الأساليب التي كانت دارجة منذ أعوام خصوصاً في شارع الغرباء- الزاهرية وغيره، لأنّها غير إنسانية ونحن ضدّها، ونطالب المعنيين بإيجاد حلّ لا ببنج مؤقت”.

إلى ذلك، يُشدّد متابع لمبادرة “رفق” (التي أطلقتها متوجّهة إلى رئيس بلدية طرابلس رياض يمق ثمّ السياسيين)، على أنّ انتظار التمويل الذي تحدّث عنه رئيس الحكومة نجيب ميقاتي (أيّ 50 ألف دولار لتمويل مبادرات الحدّ من انتشار الكلاب)، لن يصل إلى نتيجة في هذه الدّولة المهملة والتي يتقاعس فيها الحقوقيون حتّى عن إيجاد الحلّ لأزمةٍ “يستفيدون منها”. ويقول: “المواطنون لا يعرفون الكلب الملقّح من غيره حتّى ولو وُضعت علامة حمراء على أذنيْه وفق المبادرة، أمّا عملية الإخصاء فتحتاج إلى تمويل، والمواطن بات محرجاً وخائفاً”.

ويعتبر الطرابلسيّون أنّ المسؤولين مقّصرون في حلّ هذه “المعضلة”، بينما يتراشق المعنيّون المسؤوليات والتهم بين بعضهم البعض، ففي وقتٍ يُشير فيه المحافظ رمزي نهرا إلى عدم تعاون البلدية معه في الحلّ خصوصاً بعد إصداره التعميم الذي “يُكلّف من يلزم لمعالجة الموضوع”، تُؤكّد البلدية أنّها تسعى إلى حلّ، وذلك بعد تعاونها مع جمعية للرّفق بالحيوان، “لكنّ المعالجة ونتائجها تحتاج إلى وقت”. كما طلبت من الجمعيات الحقوقية الوقوف إلى جانبها بعد تأمين الأرض المخصّصة للكلاب، “ما يُشير إلى عدم وقوف المعنيين على أرضية واحدة”.

شارك المقال