لا حديث في هذه الأيام سوى عن الميدان وما يجري فيه، وعن مفاوضات التسوية وما يجري في كواليسها، وإن كنا لا نرى إلا ميداناً يشتعل وشروطاً تملى وتوضع من هنا وهناك، فنراها تارة ميسرة وطوراً يدخل الشيطان فيعسر تفاصيلها، وأية تفاصيل، هل هي تلك التي تعطي لبنيامين نتنياهو مزيداً من الوقت للقصف والضرب ودخول الجنوب، أم تلك التي يطلبها الحزب فتعرقلها إسرائيل أم مطالب إسرائيل التي لا تتوافق مع وضعية الحزب؟
لبنان في هذه الحرب بين إسرائيل و”حزب الله” دخل في خسائر لا تعد ولا تحصى، زادت من وضعه الاقتصادي السيء وحملته أعباءً فوق أثقاله التي يواجهها منذ ما يقارب الخمس سنوات. أما مقارنة مع حرب ٢٠٠٦، فتظهر الأرقام أن الخسائر الراهنة باتت ضعف الخسائر السابقة، وسط ترجيحات بأن الأموال والمساعدات التي أُغدقت على لبنان لإعادة الإعمار قبل 18 عاماً، قد لا يصل إلا القليل منها، عندما تضع الحرب أوزارها.
وعلى أبواب الشهر الثالث من هذه الحرب، ازداد الحديث عن تسوية خاصة بعد زيارة المبعوث الأميركي آموس هوكشتاين الأخيرة، والتي سمعنا خلالها تفاؤلاً لم يسبق أن سمعناه لا من لبنان ولا من إسرائيل ولا من هوكشتاين نفسه، ليبدأ بعدها ميزان كفة الترجيحات بالصعود مرة وبالنزول مرة أخرى، بين قرب التوصل الى حل من عدمه، وحتى كتابة هذه السطور ملامح الحل قد اقتربت إن لم تحصل مفاجآت.
قطعت التسوية وحظوظها أشواطاً كبيرة، بعد مرحلة من الصد والرد بين الجانبين، وبعد عدة تحليلات قالت بأن لا وقف لإطلاق النار في لبنان قبل تسلم الرئيس دونالد ترامب ولايته في ٢٠ كانون الثاني ٢٠٢٥، عادت الأمور لتتوضح وما كانت لتحصل لولا عدة عوامل أهمها :
-بدء ولاية ترامب المبكرة، بمعنى آخر اتفاقه مع الرئيس المنتهية ولايته جو بايدن بإنهاء حرب لبنان، لأن ترامب لديه الكثير من الملفات في الداخل والخارج.
-الأكيد أن الولايات المتحدة حضّرت لهذه التسوية مع فرقاء عدة على رأسهم إيران بمساعدة فرنسية.
-لا بد من التنويه بصمود شباب المقاومة في الميدان والضربات التي وجهت الى الداخل الاسرائيلي وتأثيرها على مجريات الحل.
-الوضع الصعب الذي وصل إليه “حزب الله” بعد قساوة الضربات التي تلقاها قيادات وبنية تحتية في الضاحية والجنوب والبقاع.
-ولا بد من الاشارة الى الحكم الذي صدر بحق نتنياهو ويوآف غالانت، والذي كان له أيضاً تأثير داخل إسرائيل.
وعلى الرغم من أننا لا زلنا نسمع في إسرائيل اعتراضاً على حصول تسوية مع الحزب في لبنان من بتسلئيل سموتريتش وايتمار بن غفير، إلا أن أميركا التي ضغطت بكل قوتها وأعطت ضمانات لا لبس فيها وقطعت وعوداً لا غبار عليها، جعلت الحزب وإسرائيل يجيبان بالموافقة على تنفيذ القرار ١٧٠١ الذي لن يكون plus لكن شروطه قاسية وقد تقبلتها وقبلتها الأطراف بشكل أو بآخر.
بالنتيجة المطلوب واضح، كف يد إسرائيل يمينية كانت أم يسارية، عن همجيتها وإجرامها تجاه لبنان، وأن يفهم حزب الله أن لبنان لم يعد مستعداً ولم يكن، لحرب تأخذ البلاد إلى ما لا تحمد عقباه، وإلى أن يكّن ويستكين في الداخل، الذي حضنه لكونه لبنانياً يتشارك معه في المواطنة لينخرطوا جميعاً في بناء لبنان الغد، لبنان الدولة لا الدويلة…


