يعجز أبو علاء اليوم، عن شراء “تنكة” زيت الزيتون ليستخدمها في منزله الذي يقع في منطقة القبّة- طرابلس، إذْ يشكو هذا الرجل الخمسينيّ من ارتفاع سعر الزيت وعدم تمكّنه من العثور عليه بجودة جيّدة وبسعر مقبول إلّا “المغشوش” منه حتّى اللحظة، الأمر الذي يدفعه إلى الانتظار مع عائلته التي تعيش حرفياً من دون زيتٍ يُعدّ أساسيّاً ولا يُمكن الاستغناء عنه في النّظاميْن الغذائي والعلاجي.
ويُؤكّد أبو علاء لـ “لبنان الكبير” أنّه لا يجد تنكة زيت أقلّ من 130 دولاراً حالياً، “وقد بحثت عنها في أكثر من مكان وحتّى خارج طرابلس أيّ في عكّار، لكنّني لم أجد سعراً يُناسب وضعي المعيشيّ الصعب”.
ما يُعانيه أبو علاء، يُلامس معاناة الآلاف من الشماليين أو “عشّاق الزيت” تحديداً، ولا سيما مع تدنّي القدرة الشرائية وتفاوت الأسعار بيْن مناطقهم وأحيائهم، في وقتٍ ينتقد فيه آخرون جودة الزيت المرتبطة بكيفية عصره واستخراجه، “خصوصاً مع غياب الرقابة الغذائية أو تراجعها، وفي ظلّ اعتماد بعض المعاصر التي نراها (غير مطابقة للمواصفات) على قساطل، حنفيات، خزائن من حديد، عوضاً عن الستانلس ستيل الذي يُعدّ الأفضل للعصر”، وفق ما يقول أحد المواطنين العكّاريين.
يُمكن القول، إنّ “الخناقة” على الزيتون وزيْته غير مستغربة شمالاً، لأنّها جدال يحدث سنوياً بدءاً من شهر تشرين الأوّل وحتّى أواخر شهر تشرين الثاني، بحيث يبدأ التجار وأصحاب الأراضي (ومنهم في عكّار التي تختزن كمّية لا يُستهان بها من كروم الزيتون والمزارعين) بلمّ الزيتون لبيْعه وعصره، فتحدث كما عهدت المحافظة مشكلات عدّة مرتبطة بقيام بعض السارقين إذا صحّ التعبير، بسرقة موسم الزيتون من الأشجار لاستغلاله حتّى قبل سقوط قطرة مياه من الأمطار، ما يُفسد الموسم على تجّاره ويحرم أصحاب الأرض من لذته وعائداته، كما يقوم آخرون بقطع الأشجار لاستغلالها في عمليات التدفئة، الأمر الذي يدفع المئات من المزارعين إلى “لملمة” المحصول قبيْل سقوط الأمطار، وهذا ما يُغير في “طعمة” الزيتونة نفسها فتكون مرّة قليلاً، لكنّها تبقى حلّاً ضدّ “شفط المواسم”.
تاجرةٌ من عكّار تبيع المحصول والزيت من معصرة خالها، تتحدّث لـ “لبنان الكبير” عن الموسم هذا العام، فتقول: “ثمن زيت الزيتون مرتفع حالياً وسيشهد ارتفاعاً إضافياً، لأنّ كمّيته باتت قليلة وكذلك الزيتون، بحيث يقوم كلّ صاحب أرض ببيع الزيتون أو زيته إلى أقربائه فقط، ولا يقوم بمشاركته مع الأسواق التي تشهد دخول زيتون غريب مليء بالدود وبجودة منخفضة ومن الواضح أساساً أنّه غير لبنانيّ”.
أمّا عن سعر “التنكة”، فتُؤكّد أنّها بـ 140 دولاراً لديها (ويُمكن دفع المبلغ على حسب الكمّية أو الأحجام المطلوبة) “وهو زيت خضير باب أوّل، أيّ ينتج عن تحويش الشجرة مباشرة بلون الزيتون الأخضر، من دون تحويشه من الأرض، مع العلم أنّ آخرين يقومون ببيعها بـ 150 دولاراً”.
وإذْ تشير الى أنّ أفضل الزيوت شمالاً تكون من المنطقتيْن: بقرزلا وعيْن الذهب العكّاريتيْن، تُشدّد على ضرورة متابعة صاحب الزيتون أو المشتري للمعصرة عبر معرفة أصحابها جيّداً، قائلة: “إنّ اللون الأخضر الغامق النّاتج عن عصر الزيتون لا يُفرح لأنّه يُعدّ صبغة، فلونه الأساسي يتراوح بين الأخضر والأصفر، لذلك على المشتري أو التاجر التوجّه إلى معصرة يثق بها أو الانتظار إلى حين انتهاء العصر”.
وينفي صاحب معصرة أخرى في برقايل العكّارية تبدّل الأسعار أو تعديلها هذا العام، وعبر مقارنة سريعة يُجريها بيْن العام الماضي والحالي، يُؤكّد أنّ السعر ثابت على 120 دولاراً لـ “التنكة” فقط “وقد يتبيعها بعض المعاصر بسعرٍ أكبر”. ويقول لـ “لبنان الكبير”: “عكّار تأثرت بالحرب قطعاً وذلك بصورة إيجابية، أيّ مع زيادة الطلب وانتقال ضغط حركته من الجنوب المتضرّر (والذي يُنتج زيتوناً وزيتاً) إلينا هذا العام الذي شهدنا فيه ازدهاراً موسمياً أفضل من العام الماضي، لأنّنا قمنا بتغطية إنتاج الجنوب والشمال معاً، وفي الواقع، كان ينبغي انخفاض السعر هذا العام مع انخفاض المحصول الجيّد نسبياً، لكنّ الحرب فرضت استقرار الأسعار مع تمكّن المزارعين من ملاحقة ارتفاع الطلب الذي دفعهم إلى استباق موسم الشتاء”.


