البيئة الحاضنة المنكوبة والتي يزعمون الدفاع عنها تحتفي موتاً، تئن فرحاً، وتتلوّى ألماً. هي مذهولة من الدمار، معزولة عن القرار، تشتهي الاستقرار، تترقب أصعب الأقدار، متشحة بالغبار، وتهزج بؤساً كتبادل الأسرار.
هذا ليس بتاتاً بالانتصار، بل هذه هزيمة مريرة تُلفظ بلهجة الإنكار، وإرتكاب للخطأ بإصرار، وتلقّي الإنكسار بأكذوبة الفَخَار، وإخفاء الإنحسار وعدم الإقرار، كما يفعل في لهوهم الأولاد الصغار. لكن في ألاعيب الكبار، يضيع وطن على حافة الانهيار، ولا تنتهي الأمور بقبلات سخيّة بعد اختتام شجار.
البيئة المشرّدة بفعل إسناد مفخخ ومدّعٍ، مزهوة بالقتل، مهلّلة للفقدان، مضطربة كخسارة، متوجّعة كأفول، ومنكفئة كذبول. وإنّ الزحف البشري إلى القرى المدمّرة يتجلّى كنزيف الجرح الحزبي الكبير، ولا يشبه تدفّق النهر الوطني الغزير.
هذيان النصر حالة معدية، كوباء آثم، يرى في ضعف الجسم وانتشاره فيه فوزاً، فيما الكل يتداعى، ويتضاءل، وتصيب حمّى النصر الواهم الأعضاء كافة، فيظن الجسد المخدوع أن هذا دفء وعافية، بينما لا تعدو الحرارة المرتفعة أن تكون عارضاً من أعراض المرض العُضال الفتّاك.. كلّ هذا مجرّد هذيان بالنصر جاحد بنور الحقيقة، وزاهد بفداحة الواقع.
هيهات هيهات من وحدة الساحات، أصبحنا قليلاً من الفتات، ودخل نموّنا في سبات، وبتنا مبعثرين في الشتات، ونصارع الآفات تلو الآفات، وبعد المساندة والمشاغلة وتكاتف الجبهات، وكل الخزعبلات والخطابات والعمليات، تركوا غزة وحيدة تتلقّى الضربات.
فلماذا الإنخراط في مواجهة لم تمنع عن غزة الجريحة الخراب، ولم تمنح لبنان المنهك سوى المآسي والأزمات؟ والآن باتت الاستحقاقات عندهم من الأولويات! ألم يكن حريّاً إنتخاب رئيس جمهورية بالذات يحمي الدستور ويصون البلد حتى تنتظم كل المؤسسات؟
فشلوا في حماية لبنان، بل فشلوا في حماية أنفسهم وحزبهم وفق منطقهم الفئوي السلبي. أي مقاومة تستدعي الاحتلال وتسترجعه إلى أرضها، تنتفي عنها حتى صفات مصطلح “مقاومة”، وتعود مدحورة إلى صفوف الميليشيات المأجورة.
أي نصر إلهي في دمار إنساني، وأرواح مزهوقة وبلاد مسروقة، وهدنة ساعة يشاء العدو مخروقة؟ ألم يكن الأجدى الإلتزام بالقرارات الدولية، وحفظ الوحدة الوطنية، وتجنيب لبنان الويلات والحصار؟ يعودون إلى الدولة عندما يريدون من مصائبهم الفرار، وقد كانوا يتهمون السياديّين بالعمالة والعار، فيما هم يتاجرون بلبنان كالفجّار. سريعاً ومن دون إنتظار، هذيان النصر المفرط علاجه الوحيد الوعي الوطني الأصيل، صباحاً ومساءً ومن دون أعذار.


