يحيط باتفاق وقف إطلاق النار بين العدو الاسرائيلي ولبنان الكثير من الأسئلة والشكوك طالت طبيعته ومصيره واستمرت حتى لحظات قليلة قبل تنفيذه، لدرجة أن التشكيك في وجود الاتفاق من الأساس استمر لأيام طويلة حتى بدأ فعلياً ودخل حيز التنفيذ، بسبب المخاوف من إمكان انقلاب رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو على الاتفاق في اللحظات الأخيرة، تماماً كما فعل في 25 أيلول 2024، عندما اطاح التفاهم الفرنسي الأميركي، من خلال إغتيال الأمين العام لـ “حزب الله” السيد حسن نصر الله، الذي كان أبلغ الرئيس نبيه بري قبول الحزب بالاتفاق.
ومع دخول الاتفاق حير التنفيذ رسمياً، تتعدد آراء المراقبين والمتابعين وتحليلاتهم بشأن هذا الاتفاق الذي يعيد الاعتبار الى الحزم في تنفيذ القرار 1701 الصادر عام 2006 لوقف الحرب آنذاك ولم ينفذ بصورة جدية منذ ذلك الحين، بحيث أن عملية الالتزام بمضمونه بعد حرب مدمرة، تكتسب الجدية من خلال إناطة الإشراف على التنفيذ بلجنة خماسية ترأسها الولايات المتحدة الأميركية.
ثمة رأي يعتبر أن الاتفاق لا يعدو كونه مجرد هدنة “هشة” لمدة ستين يوماً فقط وليس وقفاً دائماً للحرب، لاتاحة الفرصة أمام العدو الاسرائيلي و”حزب الله” لالتقاط أنفاسهما، واعادة ترتيب قدراتهما العسكرية، يتبع ذلك تجدد أعمال العنف العسكرية. ويستند أصحاب هذا الرأي الى الخروق المتمادية لوقف اطلاق النار، التي تنذر مع انتهاء مدة الهدنة بعودة الأعمال العسكرية على نطاق واسع.
ومقابل أصحاب هذا الرأي، هناك من يعتبر أن الوصول الى هدنة في لبنان، هو أمر حاسم ونهائي، متسلحاً برأي المبعوث الأميركي آموس هوكشتاين (مهندس الاتفاق)، الذي وصفه بأنه “إنهاء للأعمال القتالية بشكل كامل واتفاق مستدام، ويمهد للتفاوض الجاد حول حل كل النقاط العالقة في الحدود البرية بين البلدين”.
ويشير أصحاب هذا الرأي أيضاً إلى عنصر جدية إدارة جو بايدن في الخروج من الفترة الرئاسية بإنجاز ما في الشرق الأوسط، ورغبة إدارة دونالد ترامب في دعم جهود هوكشتاين حتى يصل الى اتفاق قبل بداية ولاية الادارة الجديدة، بما حقق عنصر الضغط الأميركي اللازم الذي أقنع جميع الدول المعنية بالأزمة وطرفي النزاع بقبول الاتفاق.
فالأميركيون وحدوا أدوات الضغط بين الادارة المنتهية ولايتها والادارة الجديدة كي يقللوا من هامش مناورة نتنياهو في وقت الفراغ بين الادارتين، وهو الفراغ الذي كان قد استغله ومكنّه من شراء الوقت لمزيد من العدوان على لبنان.
لكن على ما يبدو بالنسبة الى الاتفاق نفسه، أن ما عُرض على لبنان ليس ما عُرض على إسرائيل، وهو الهامش الذي يتيحه الاتفاق غير المباشر، فالضامن الأميركي سمح باختلاف مضمون الاتفاق المعروض على الفريقين كي يقبل كل منهما بما يرضيه. ويبدو أن الفارق بين الاتفاقين هو ما ستسعى واشنطن بمساعدة باريس من خلال “اللجنة الخماسية” إلى تثبيته على الأرض خلال فترة الهدنة.
يشار الى أن اللجنة المشرفة على تطبيق القرار 1701، كانت أصلاً ثلاثية وتضم لبنان وإسرائيل مع “اليونيفيل” وتجتمع عند التبليغ عن خروق، ولكنها كانت تفتقد النفوذ اللازم الذي يجبر طرفي الصراع على الانصياع لقراراتها. ولكن مع دخول الولايات المتحدة وفرنسا اللجنة أصبح لها نفوذ حقيقي يمكنها من الضغط على الطرفين لتنفيذ القرار بانسحاب “حزب الله” وانتشار الجيش اللبناني بدلاً منه، وأيضاً انسحاب إسرائيل من الشريط الحدودي خلال ستين يوماً.
أما عن مهلة الستين يوماً، فستكون فعلياً فترة تفاوض مع لبنان و”حزب الله”، إذ سيخرج الوسيط الأميركي من جعبته سلة الشروط التي لم يتمكن من تداولها مع “حزب الله” خلال الحرب لرفض الأخير ذلك. وفي المقابل من المفترض أن يتحقق خلال الستين يوماً شرط فرنسي مهم وهو انتخاب رئيس جديد للجمهورية وبداية انتظام عمل المؤسسات الدستورية اللبنانية من جديد، بحيث كان “حزب الله” رافضاً لمبدأ انتخاب رئيس أثناء الحرب.
إذاً، لجنة مراقبة تنفيذ الاتفاق ستكون مخوّلة الفصل في مدى جدية الخروق وتتخذ ما يلزم لدى الطرفين لفرض احترام بنوده. كما أن للجنة أيضاً مكون من “اليونيفيل” للوجود على الأرض والإشراف على الانسحاب والانتشار، وأيضاً لجمع الأدلة والتحقق من الخروق المبلغ عنها.
إستمرار الخروق الاسرائيلية وتماديها وتوسعها بعد وقف إطلاق النار، سيكون تحدياً كبيراً لمصداقية اللجنة عند البدء بعملها خلال الأيام المقبلة.

