بعد إتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل و”حزب الله” وبالتالي لبنان، والذي هندسته ووضعت بنوده الادارة الأميركية بفرعيها الديموقراطي السابق والجمهوري اللاحق عبر مبعوثها آموس هوكشتاين بالتعاون الذي قد يكون شكلياً مع فرنسا، بات واضحاً أن الشق “الاسرائيلي” – إذا صح التعبير – من سلاح “حزب الله” في لبنان قد طويت صفحته حين وافق الحزب على خروجه من جنوب الليطاني بغض النظر عما قد يستجد من محاولات “تذاكٍ” منه للتملص من هذا الالتزام كما حصل في العام 2006، بينما الشق “اللبناني الداخلي” من هذا السلاح باقٍ عملياً بدءاً من شمال الليطاني وعلى إمتداد الأرض اللبنانية بغض النظر أيضاً عما يُتداول به من أن الإتفاق يغطي كل الأراضي اللبنانية كما صرَّح بذلك مستشار الرئيس دونالد ترامب لشؤون الشرق الأوسط اللبناني مسعد بولس، وما يذهب إليه البعض من أنه – الاتفاق – يغطي حتى القضايا السياسية الداخلية بحيث يشمل سلة من التفاهمات قد تبدأ بإنتخاب رئيس للجمهورية في جلسة 9 كانون الثاني المقبل، ولا تنتهي بالاتفاق على شكل حكومة العهد الأولى ومكوناتها وبرنامجها.
هذا الأمر يطرح سؤالاً مهماً على اللبنانيين اليوم – المعارضة خصوصاً – وهو كيف سيتعاملون مع معضلة السلاح في الداخل الذي هو أصلاً السبب الأساس لكل ما وصلت إليه الأوضاع في البلد؟ لا سيما وأن الأحداث أثبتت مرة أخرى أنه “لا يحك جلدك مثل ظفرك”، وأن الدول تتعامل بلغة المصالح لا العواطف ولا المبادئ، وأن رهان البعض على الحرب الاسرائيلية ضد “حزب الله” للتخلص منه ومن سلاحه ذهبت أدراج الرياح، لأن الرهان على الخارج فقط في حل المشكلات الداخلية من سلاح وغيره ليس كافياً ولا عملياً إذا لم تواكبه حركة سياسية وشعبية داخلية واضحة الأهداف والممارسة كما حصل إبان ثورة 14 آذار عام 2005.
في هذه الأثناء وفي خطوة كان قد وعد بها رئيس مجلس النواب نبيه بري توازياً مع وقف إطلاق النار ووفى، وفي مؤشر قد يكون تأكيداً لما يقال بأن التسوية تشمل سلة من التفاهمات، دعا الرئيس بري إلى عقد جلسة لإنتخاب الرئيس بعد طول تمنُّع في التاسع من كانون الثاني المقبل، وهو أمر لاقى إستحساناً من جميع مكونات الطيف السياسي، ودفع بالمعارضة – أو بعضها على الأقل – الى عقد إجتماع في معراب للتشاور والتداول، وهو مؤشر جيد بلا شك، لكن يجب أن يُتبع بخطة وطنية واضحة وجبهة عريضة – إذا أمكن – تضم الجزء الأكبر ممن يرون في أنفسهم معارضين للنهج الحالي، وبخطاب مسؤول بعيد من لغة الاستفزاز والتحريض ولغة الانتصار والهزيمة، فسواءً شاء البعض أم أبى الكل مهزوم في البلد من أكبر مسؤول وسياسي ثبُتَ فشله في إدارة شؤون الوطن والناس وكذلك المعارضة، إلى أصغر مواطن لم يعرف كيف يختار ممثليه ولا زعاماته، واستسلم لأوهام الخوف من الآخر.
لا يختلف إثنان – على ما أعتقد – على أن التطورات الأخيرة – على مأساويتها – قد تكون أتاحت فرصة لاعادة التأمل والتفكير وتبيان الصح من الخطأ، تمهيداً للتراجع عن كثير من الأوهام لدى كل الأطراف الداخلية وهي أوهام تمترست وراءها طيلة سنوات مضت، ما جعل الأوضاع تتدهور وتؤدي إلى ما أدت إليه. والمطلوب اليوم مقاربات جديدة سواء من السلطة أو المعارضة للمشكلات التي يعاني منها البلد وأهمها قضية السلاح خارج الدولة الذي عملياً فقد شرعيته بعد الاتفاق الأخير. هنا دور المعارضة في كيفية مواجهة هذا الموضوع بالنضال السياسي والشعبي وعدم الاستكانة كما في السابق أو الاعتماد على الخارج في حل الأمور، فالتطورات الأخيرة أثبتت أن هَم الخارج وعينه هو على الحدود فقط لتأمين إسرائيل وحماية أمنها من دون أي إلتفات لمصلحة اللبنانيين وحقهم في أرضهم المحتلة وحقهم في العيش الكريم. فهل سنتلقف الفرصة هذه المرة، أم كالعادة سنضيعها بأوهام جديدة لدى طرف جديد، خصوصاً بعد التطورات في سوريا بالأمس وسقوط نظام الطاغية؟ حذاري من الأوهام الجديدة والمبالغة في حسابات الربح والخسارة لدى كل طرف من الأطراف، فنحن بلد وشعب باتت تصح فيهما الأغنية الشهيرة “أنا من ضيَّع في الأوهام عمره”، فهل نكتفي؟


