في يوم تاريخي لا يُنسى، أشرقت شمس الحرية على السوريين بعد أكثر من 13 عاماً من النضال المرير ضد الديكتاتورية والظلم. الثامن من ديسمبر (كانون الأول) أصبح علامة فارقة، ليس في تاريخ سوريا وحسب، بل في تاريخ المنطقة بأكملها. ففي هذا اليوم، تحقق حلم طال انتظاره، إذ سقط نظام الأسد بإرادة السوريين، الذين أصروا على انتزاع حقهم في العدالة والكرامة.
ولكن، سرعان ما امتزجت فرحة التحرر بالحزن عندما انكشفت مآسي سجن صيدنايا، الذي ظل رمزاً للقمع لعقود طويلة. تشير التقديرات إلى وجود أكثر من 30 ألف معتقل في هذا السجن الذي يُعرف بـ”المسلخ البشري”. ومع بدء فرق الإنقاذ عمليات البحث، لم يُعثر إلا على بضعة آلاف من الناجين، بينما بقي مصير الآلاف الآخرين مجهولاً. لقطات خروج المعتقلين التي ملأت الشاشات حملت مشاهد مؤثرة، أبرزها فيديو لطفل صغير خرج من المعتقل، مشهد يختزل الألم والوحشية التي مرّ بها الأبرياء.
سجن صيدنايا، كما وصفه الراحل ميشيل كيلو، كان عنواناً لظلم قاسٍ. كان كيلو يروي قصة طفل صغير كان يزوره في المعتقل، يسأله باستمرار: “ما شكل الشجرة؟ وما شكل العصفور؟”. كلمات بسيطة لكنها تختزل حجم المعاناة وسلب أبسط معاني الحياة من هؤلاء الأطفال.
رئيس حراس سجن صيدنايا نفى لموقع “لبنان الكبير” وجود سجون سرية داخله، مؤكداً أن النظام كان يمارس الاعدامات بصورة أسبوعية. هذه المعلومات تتطابق مع تصريحات الدفاع المدني السوري الذي أشار إلى عدم العثور على أي سجون سرية حتى الآن. فضل عبد الغني، رئيس “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، أكد أن عشرات الآلاف قُتلوا في صيدنايا، مشدداً على ضرورة البدء بمحاسبة مرتكبي جرائم الحرب في سوريا.
الناجون من السجن، والآلاف من ذوي المعتقلين، تجمعوا في صيدنايا على مدار يومين بحثاً عن بصيص أمل، عسى أن يعثروا على أحبائهم. لكن ما كان يُنتظر أن يكون يوماً مفعماً بالفرح، تحول إلى يوم للدموع والحزن. دموع السوريين التي سقطت فرحاً بسقوط النظام، عادت لتسيل قهراً على من فقدوا في أعماق السجن.
الانتقال من الفوضى إلى بناء الدولة
سقوط نظام بشار الأسد لم يكن مجرد نهاية حقبة من الاستبداد، بل بداية مرحلة معقدة يتشابك فيها الأمل بالتغيير مع تحديات الانتقال السياسي وإعادة بناء الدولة. الأسد، الذي ظل رمزاً للقمع والإجرام في ذاكرة السوريين، ترك البلاد من دون تقديم اعتذار حتى لحاضنته الشعبية أو طرح حلول تخفف من تداعيات سقوط نظامه. خروج الأسد كشف هشاشة الدولة وتركها على حافة الفوضى، لكن غرفة العمليات المشتركة أظهرت مسؤولية لافتة في إدارة المرحلة الانتقالية، مفضلة عدم المساس بالحكومة الحالية، وتفعيل مؤسسات الدولة بصورة محدودة لضمان سير الأمور الأساسية.
وعلى الرغم من ذلك، يبقى السوريون يطمحون إلى عملية انتقالية شاملة تجمع أطياف الشعب السوري كافة، لتفتح الباب أمام عهد جديد مبني على الحرية والعدالة والمساواة. في هذا السياق، قال آرام الدوماني، أمين سر التحالف السوري الوطني لموقع “لبنان الكبير”: “نحن اليوم أمام مفترق طرق. نحتاج الى ضبط الأمور داخلياً، لكن الأهم هو تحقيق انتقال سياسي حقيقي لا يُقصي أي طرف وطني. يجب أن نركز على إعادة إعمار البلاد وضمان عودة السوريين في الخارج إلى ديارهم، وأن نقدم ضمانات للمجتمع الدولي بأن سوريا الجديدة ستسلك طريق السلام والاستقرار، بعيداً من التطرف والإرهاب.”
الدوماني شدد أيضاً على ضرورة إعادة النظر في القرار الأممي رقم 2254، معتبراً أنه بات غير ذي صلة بعد سقوط النظام. وأكد ضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم السوريين كافة وتعمل وفق رؤية جديدة لا تسمح بالتلاعب بمكتسبات الثورة أو المساس بنصر الشعب السوري، خاتماً: “اليوم، يقف السوريون أمام فرصة تاريخية لتحويل هذه اللحظة إلى بداية لبناء وطن جامع، يعكس تطلعاتهم للحرية والكرامة، ويتجاوز آلام الماضي ليضع أسساً لدولة تحترم حقوق الإنسان وتعمل لصالح جميع أبنائها من دون تمييز”.
ليس بعيداً عن تسلم حكومة الإنقاذ مهام الحكومة السورية، ففي ظل التحولات الجارية بسقوط نظام الأسد، دخلت سوريا مرحلة مفصلية تترافق مع مفاوضات بالغة الأهمية تُعقد في العاصمة القطرية الدوحة. مصدر مطلع من المعارضة السورية أكد لموقع “لبنان الكبير” وجود محاولات دولية للالتفاف على مكتسبات الثورة السورية وإقصاء قوى المعارضة الحقيقية، مشيراً إلى أن بقايا النظام تسعى عبر ألاعيبها السياسية الى استعادة نفوذها، مستغلة القرار الدولي رقم 2254 بدعم روسي.
ولفت إلى أن مجلس الشعب بقيادة حمودة الصباغ، الذي يحاول الانخراط في العملية الانتقالية، يمثل إحدى محاولات الالتفاف على نصر السوريين. الصباغ يسعى الى جعل مجلس الشعب طرفاً في الحكومة الانتقالية لتحقيق مكاسب سياسية للنظام السابق. هذا التوجه يُواجه بمعارضة شديدة من قوى الثورة التي تؤكد ضرورة أن يكون القرار الانتقالي وطنياً سورياً بالكامل، بعيداً من أي تأثيرات خارجية أو محاولات من بقايا النظام.
وفقاً للمصدر، فإن تحقيق انتقال سياسي حقيقي يتطلب نضجاً سياسياً كبيراً من الأطراف كافة. أحمد الشرع، الذي يُتوقع أن يكون له دور رئيسي في المرحلة الانتقالية، عليه أن يلتزم بمبدأ تقاسم السلطة مع القوى الثورية والكفاءات الوطنية. الابتعاد عن إشراك بقايا النظام في المرحلة المقبلة سيكون شرطاً أساسياً لضمان نجاح العملية الانتقالية، وبناء دولة تعكس طموحات السوريين في الحرية والكرامة.
إن تحقيق مصالحة وطنية حقيقية هو المفتاح لانتقال سوريا إلى مستقبل أفضل. هذه المصالحة يجب أن تكون شاملة، تهدف إلى طي صفحة الماضي وإعادة بناء النسيج الاجتماعي. ولتحقيق ذلك، تحتاج سوريا إلى دعم دولي لإعادة الإعمار، وتطوير مؤسسات الدولة من خلال الاعتماد على خبرات وطنية مخلصة، من دون السماح لأي أفكار تخريبية بالتسلل إلى هذه المرحلة الدقيقة.
المفاوضات في الدوحة تُعد اختباراً كبيراً للسوريين، بحيث يقف الجميع أمام فرصة تاريخية لتوحيد الصفوف، والتمسك بمكتسبات الثورة، ورفض أي محاولات للالتفاف على النصر الوطني.


