هكذا سقط نظام الأسد (3/3)… مأسسة “تحرير الشام” وطنياً وإحترافيتها عسكرياً

زياد سامي عيتاني

“إن المتمردين يفوزون إذا لم يخسروا، وعليهم المقاومة والانتظار حتى يفقد خصمهم الارادة للاستمرار”. جملة قالها ذات يوم “ثعلب” الديبلوماسية الأميركية هنري كيسنجر، وهي تنطبق على المعارضة السورية، إذ إنه وبالنفس الطويل واللعب على المتناقضات وتبديل العناوين من “داعش” إلى “القاعدة” إلى “جبهة النصرة” إلى “هيئة تحرير الشام”، تمكنت من إطاحة نظام بشار الأسد. فقد تركز الحديث خلال العام الجاري عن مصير فصائل المعارضة السورية، خصوصاً مع تصاعد الحديث عن تطبيع في العلاقات التركية السورية، ومدى تأثير ذلك على واقع تلك الفصائل ومستقبلها في حال انسحاب الجيش التركي من نقاطه العسكرية في المناطق المحررة، وما إذا كانت ستتمكن من الصمود وحدها في وجه قوات النظام. تزامن ذلك مع توسع قوات النظام في استخدام الطائرات المسيرة الانتحارية يومياً لشن عشرات الهجمات على أهداف في القرى الواقعة على خطوط التماس، فضلاً عن القصف المدفعي والصاروخي ما ألحق خسائر بالمعارضين ومعداتهم العسكرية، وبالمدنيين وممتلكاتهم.

في المقابل، مع اشتعال أجواء الحرب في لبنان في أيلول الماضي، والتفات “حزب الله” عن الملف السوري، فضلاً عن انشغال روسيا قبل ذلك بحرب أوكرانيا الطويلة، كثَّفت “هيئة تحرير الشام” الدورات العسكرية والمناورات الميدانية لرفع القدرة والجاهزية القتالية لعناصرها استعداداً لانتهاز الفرص المناسبة لتوسيع نطاق المناطق المحررة. كما زادت “غرفة عمليات الفتح المبين” من وتيرة العمليات النوعية التي تتضمن اقتحام مواقع النظام، فشنَّت عملية نوعية على دشم لقوات الأسد في محور كباشين أسفرت عن أسر جنديين، وعملية نوعية في جبل التركمان شمال اللاذقية أسفرت عن مقتل وإصابة 28 ضابطاً وجندياً من النظام، ونفذت عملية ثالثة على محور عين عيسى بريف اللاذقية الشمالي أسفرت عن مقتل وإصابة 15 من عناصر النظام. كذلك، أصدرت إدارة الشؤون السياسية في حكومة الإنقاذ بياناً حمّل نظام الأسد مسؤولية استهداف المدنيين وحركات النزوح والتهجير، بُغية تحميل النظام المسؤولية عن التصعيد المحتمل حال فتح معركة عسكرية جديدة.

ولكن ظلت الشكوك مطروحة حول مدى قدرة فصائل الثورة السورية على شن هجوم يتجاوز عقبة السيطرة الجوية لطيران النظام، والطيران الروسي، ومدى كلفة أي عملية عسكرية للمعارضة وبالأخص على المدنيين. فقد تشكّلت “هيئة تحرير الشام” باسمها المعروف حالياً مطلع عام 2017، في محاولة ثانية من جانب زعيمها أبو محمد الجولاني، بعدما تعثرت جهوده الأولى إبان إعلان انفصاله عن “القاعدة” عام 2016. حظي تأسيس الكيان الجديد بمباركة ستة من رجال الدين البازرين في سوريا من بينهم الداعية عبد الله المحيسني المولود في السعودية، ووقّع رجال الدين على بيان منفصل أعلنوا فيه نيتهم الانضمام الى “تحرير الشام”. وبدأت عملية مأسسة وحوكمة العمل العسكري والأمني، عبر الاهتمام بتدشين كليات عسكرية وشرطية نظامية، تُعد لها مناهج تناسب الميدان السوري، مع التوجه نحو التصنيع العسكري المحلي، الذي يركز على التقنية، ما تجلى عند بدء المعركة في “كتائب الشاهين” التي تستخدم سلاح الطائرات المسيرة بمنهجية احترافية، أتاحت للفصائل استهداف مروحيات تابعة للنظام في مطار النيرب بحلب، وقتل قائد الأمن العسكري في محافظة حماة، ومهاجمة مقرات حساسة ومعدات عسكرية وتجمعات لقوات النظام، ما أحدث حالة من الارتباك بين قواته، فضلاً عن التوسع في استخدام الأسلحة المزودة بمناظير حرارية ليلية، ما أتاح مواصلة العمليات القتالية ليلاً بفاعلية، والاعتماد على المعلومات الاستخبارية في تنفيذ عمليات نوعية، كما في الهجوم الذي أدى إلى مقتل العميد كيومرث بورهاشمي قائد المستشارين العسكريين الايرانيين في حلب.

ويسلط ذلك الضوء على التباين الكبير على الجانب الآخر من الجبهة، حيث عملت “هيئة تحرير الشام” وجماعات المعارضة المسلحة الأخرى بصورة مكثفة منذ العام 2020 لتعزيز قدراتها. وعلى وجه الخصوص، أنشأت “هيئة تحرير الشام” وحدات جديدة بالكامل استطاعت أن تغير مسار المعارك بصورة لافتة في الأيام الأخيرة. وكانت وحدة النخبة الخاصة التابعة لها، والمعروفة باسم “العصائب الحمراء”، رأس الحربة في العمليات النهارية، بينما حققت “سرايا الحراري” مكاسب ملحوظة في القتال الليلي طوال أسبوع، بحيث يحمل مقاتلوها البالغ عددهم نحو 500 مقاتل أسلحة مزودة بمناظير للرؤية الليلية، وفقاً للمجموعة. في حين تمكنت “كتائب الشاهين” من القضاء على أسلحة النظام الثقيلة على طول الخطوط الأمامية. واستخدمت “الهيئة” أيضاً صواريخ كروز محلية الصنع، تعادل قوتها التدميرية قوة شاحنة انتحارية متفجرة.

ومع أساطيل الطائرات المسيرة الاستطلاعية التي تعمل على مدار الساعة، تفوقت “هيئة تحرير الشام” وحلفاؤها بصورة كاملة على الجيش السوري. ففي فجر 27 تشرين الثاني، أعلنت فصائل المعارضة بإدلب تحت لافتة “إدارة العمليات العسكرية” إطلاق معركة بعنوان “ردع العدوان”، التي أطاحت نظام بشار الأسد، وأظهرت احترافية عالية لدى فصائل المعارضة، مقارنة بحالة من الفوضى التي اتسمت بها غالبية معاركها السابقة، بل إن المعركة الأخيرة واكبتها عمليات نفسية تستهدف ضباط النظام وجنوده عبر توزيع منشورات بالطائرات المسيرة وبيانات على وسائل التواصل الاجتماعي ورسائل عبر الهواتف تدعوهم الى الانشقاق، بالاضافة إلى تقديم خطاب سياسي وإعلامي يطمئن الأقليات الدينية والطائفية على حياة أفرادها وممتلكاتهم، ويخاطب الدول الداعمة للنظام مثل روسيا بخطاب يبدي الاستعداد للتعاون في ما يخدم مصالح البلدين.

وفي هذا السياق، أعلن زعيم “هيئة تحرير الشام” أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع)، في أول بيان له إلى الشعب السورى على شاشة التلفزيون الرسمي أن “الشعب السوري أسقط النظام”، ويبرز ما يمكن تسميته بملامح مرحلة جديدة تبدأ في التشكل داخل سوريا، وأكد أن “قوى المعارضة بصدد حماية مؤسسات الدولة، وأن الاقتراب منها محظور”. وهنا تحديداً يخاطب الجولاني القوى الاقليمية والدولية المترقبة لنتائج سقوط الأسد وتداعياته المحتملة بلغة تبدو “هادئة” تحمل تطمينات بأن المشهد السوري “قد” لا يبدو كالمشهد العراقي عام 2014، لأن “هيئة تحرير الشام” بصدد “حماية مؤسسات الدولة من الانهيار”، على عكس الحالة في العراق حينها في إشارة إلى أن الهيئة (المصنفة كتنظيم إرهابي لدى بعض الدول) ليست “داعش”. كما أشار إلى أن تلك المؤسسات ستظل تحت إشراف رئيس الوزراء السابق محمد غازي الجلالي، إلى حين تسليمها رسمياً، في الوقت الذى أعلن فيه الجلالي أنه لم يغادر دمشق ومستمر فى مسؤولياته وعلى استعداد للتعاون مع أي قيادة يختارها الشعب، وهو ما فسره بعض المصادر بحدوث نوع من الاتصالات بين الجولاني نفسه والجلالي في هذا الشأن، بما يشي بطبيعة غير تصادمية حتى اللحظة تبديها الهيئة مع تطورات الموقف الداخلي.

يضاف إلى ذلك نجاح المعارضة في تجنيب المدن السورية التى دخلتها خوض معارك مع ما تبقى من قوات النظام حرصاً على المدنيين فيها، لكن الحقيقة أن الانسحاب الذي تم من القوات السورية عكس قناعة بأن الأمر انتهى، لا سيما بعد أن أبلغت قيادة الجيش السوري الضباط بسقوط النظام، ودخول الفصائل المسلحة العاصمة دمشق، وإعلان السيطرة عليها رسمياً، وأن بشار الأسد غادر البلاد.

تقف سوريا اليوم أمام مشهد معاكس لما جرى قبل أكثر من اثني عشر عاماً عندما تمكن النظام السوري بجيشه ومخابراته وأجهزته من صد ما سماه “مؤامرة غربية” تستهدف استقراره فاخترق التنظيمات المدعومة من الخارج وضرب بعضها ببعض وأفشل خططها ما نتج عنه انهيارها وسقوط المدن، ليعيد المدينة الاستراتيجية إلى سيطرته. أما اليوم فحصل العكس في ظل تحولات كبرى، إذ سقط النظام وفرّ طاغيته، على يد معارضة تحلت بالتنظيم والإنضباط والتوحيد، معتمدة على نهج وطني محلي بعد “سورنتها”، واقتنصت الفرصة لتملأ الفراغ الذي حدث بعد تقويض نفوذ إيران وأذرعها، مستفيدة من وضعية نظام مستنزف ومنهك من تحقيق “حلم” باهظ الكلفة والأثمان، لبناء سوريا جديدة، تطوي صفحة سوداء مظلمة وظالمة على مدى عقود من زمن القمع الدموي الاجرامي، بعدما إختزلها النظام البائد على الرغم من شساعة جغرافيتها بسجن صيدنايا.

وكان لافتاً التوصيف “الايجابي” لصحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية في مقال بعنوان “نتائج غير متوقعة في الحرب على الارهاب”، يستهله كاتبه حسن حسن بالقول: إن الهجوم الناجح الذي شنه المتمردون السوريون الأسبوع الماضي حقق ما فشلت فصائل أكبر في تحقيقه خلال سنوات من إراقة الدماء”. ويرى الكاتب، وهو أميركي من أصل سوري، أن “وراء نجاح هيئة تحرير الشام في السيطرة هو تحولها عبر الزمن من أكثر الحركات الجهادية العنيفة إلى قوة قومية”.

ويسرد الكاتب حسن كيف وصلت “هيئة تحرير الشام” إلى موقع “استقرار” بعد أن نشأت كفرع من فروع تنظيم الدولة الاسلامية “داعش”، حتى أصبحت قوة حاولت إظهار اعتدالها من خلال تبني ممارسات إسلامية أقل قسوة، وجذب التقنيين والمتخصصين. أظهرت الجماعة انضباطاً أكبر من الجماعات القومية الأخرى، إذ حثت مقاتليها على احترام المسيحيين والأقليات الأخرى، وعقدت لقاءات مع قادة دينيين لضمان حمايتهم، كما لعبت دوراً حيوياً في محاربة “داعش” والقضاء على بقايا “القاعدة” في سوريا. ويؤكد أن الهيئة لا تشكل التهديد ذاته الذي حاربته الولايات المتحدة الأميركية تحت ما يعرف بـ”حربها على الإرهاب”، بل يراها “حركات أعادت تشكيل نفسها كحركات وطنية تركز على قضايا محلية، لا للبقاء فقط، بل للازدهار في المشهد الجيوسياسي الجديد”. ويحلّل الكاتب هذا التحوّل في سياسة “هيئة تحرير الشام” من خلال إشارات عدّة إحداها “أن التدريبات المقدمة للمجندين الجدد تركز على جهاد محلي بدلاً من الجهاد العالمي الذي تبنته القاعدة”.

شارك المقال