شهدت النبطية قصفاً عنيفاً جداً طوال حرب الـ ٦٦ يوماً، خلف دماراً هائلاً فضلاً عن استشهاد رئيس بلديتها وبعض أعضائها. وعاد الأهالي الى مدينتهم وسط مشاهد تدمي القلب، فقد فتك الدمار بشوارعها وسوقها التجاري التراثي حيث تنتشر “بسطات” البائعين الجوالين الآتين من قرى محافظة النبطية، في عادة لم تتغيّر منذ مئات السنين، واعتقد العدو أنه سيمحوه من الذاكرة بعد جعله رماداً محاطاً بالمنازل المدمرة.
بحسب تقرير مشترك صدر عن برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية وجامعتَي البلمند والقديس يوسف، في 29 تشرين الثاني الماضي، فإن “نتائج التقييم للدمار الحاصل في المباني وكميات الحطام في محافظتَي الجنوب والنبطية تقدّر بثمانية ملايين طن، من بينها 5.7 ملايين طن في النبطية”. ووفقاً لـ “الدولية للمعلومات” تسببت الحرب في دمار كلي في 48 ألف وحدة سكنية على مستوى لبنان من بينها ما يقارب 31.500 وحدة سكنية في جنوب لبنان.
يشير رئيس بلدية النبطية خضر قدوح عبر “لبنان الكبير” الى أن “لا احصاءات نهائية حول عدد الوحدات السكنية المدمرة أو المتضررة، انما تتراوح نسبتها بين ٣٠٪ الوحدات المتضررة و١٠ الى ١٢٪ الوحدات المدمرة بصورة كليّة، ولا يزال كل من مجلس الجنوب وحزب الله يقومان بعملية المسح لكن حتى الآن لا دفع للمستحقات”، مؤكداً أن “دمار النبطية من دون أن نحسب القرى الحدودية، يأتي مباشرة بعد الضاحية.”
وفي ما يتعلّق بحال الطرق والركام الموجود عليها، يقول قديح: “مشينا حالنا، اذ قمنا برفع الركام والنفايات منذ خمسة أيام، والخطة التي وضعت لهذه الأزمة كانت جيدة، واليوم نعالج يوماً بيوم عملية رفع الركام والنفايات الصادرة من المنازل المعزَّلة حديثاً”. ويلفت الى أنه تم فتح جميع الطرق منذ أكثر من ١٠ أيام والحياة عادت الى النبطية وفتحت المحال.
على الرغم من انتهاء الحرب، الا أن مناطق الشريط الحدودي بالاضافة الى المناطق التي هدد العدو بعدم الذهاب اليها، لم تستقبل أبناءها حتى الآن، فغالبيتهم عادت الى المناطق التي نزحت اليها ابان النزوح الأول. ووفقاً لقديح “استثمر أبناء المناطق الحدودية وأسسوا مصالح جمّة في النبطية عندما لجؤوا اليها سابقاً، واليوم عادوا اليها لتحتضنهم، فهم أيضاً خسروا منازلهم ومصالحهم وينفضون اليوم الغبار عنهم ويحاولون النهوض من تحت الركام، وهنا نسأل أين الدولة؟ أين دورها في تأمين ايواء لهم ومساعدتهم؟”.
وبالنسبة الى أزمة الايجارات التي تظهر في كل مناسبة، يناشد قديح عبر “لبنان الكبير” من يملكون شققاً للايجار أن يرحموا الناس ويتقاضوا ما يرضي الله، “فليس من شيمنا وأخلاقنا أن نستغل الناس الذين بلا مأوى ونحوّل ايجار الشقق من٢٠٠ الى ٥٠٠ دولار، فنحن معروفون بكرمنا وقِيمنا وعاداتنا الحسنة.”
وفي ما يتعلق بالسوق التراثي، يوضح قديح أن لا رؤية نهائية حتى الآن لهذا السوق التاريخي، متمنياً “أن يعاد بناؤه بشكل يحافظ على تراثه، على أن يكون موقف السيارات وفوقه المحال التجارية.”
لم يستثنِ الدمار في النبطية لا جامعاً، ولا مدرسة، ولا جامعة وحتى المقبرة تطاول عليها العدو، فهول الاعصار المدمر الذي استيقظت عليه النبطية بعد كل غارة بدأ يتلاشى اليوم ومظاهر الخراب بدأت تغيب ملامحها، والحياة عادت لتزدهر والسكان ينيرون مدينة كامل الصباح.


