القنيطرة بين التفاوض المدني والتصعيد الاسرائيلي: إرث إيراني يهدد الاستقرار

ماهر الحمدان

تشهد محافظة القنيطرة تصعيداً غير مسبوق، في ظل غياب دور حكومي واضح وتأخر انتقال المؤسسات الحكومية. لكن الأهالي في المنطقة أخذوا زمام المبادرة، فقادوا مفاوضات مع الجانب الاسرائيلي أسفرت عن عودة المدنيين إلى بعض القرى مثل الحميدية والحرية، ومنع التهجير القسري في مناطق أخرى. هذا الدور المدني البارز يعكس حالة من النضج المجتمعي، وسط تحديات معقدة تتراوح بين التحركات الاسرائيلية المكثفة وبقايا النفوذ الايراني في سوريا.

الدور الايراني ومخاطر الميليشيات

على الرغم من التراجع العلني لـ “حزب الله” عن المشهد السوري، لا تزال ميليشيات المقاومة السورية لتحرير الجولان، الذراع التابعة له، حاضرة في قلب التطورات. إسرائيل صعّدت من عملياتها لنزع سلاح هذه الميليشيات وتجفيف مصادرها، خصوصاً في بلدة حضر، حيث تُجرى عمليات ملاحقة دقيقة.

أبرز الأهداف الاسرائيلية هو الحاج جواد هاشم، أحد القياديين البارزين في “حزب الله”، الذي تتهمه إسرائيل بقيادة عمليات تجسس وتنفيذ هجمات على الحدود. إلى جانبه، برز اسم العقيد المتقاعد فراس كريدي، الذي كان مدعوماً في بداياته من ميليشيات “سرايا التوحيد”، بتمويل من وزير لبناني سابق. هذه الشخصيات تمثل جزءاً من الإرث الإيراني الذي يواصل تهديد الاستقرار في المنطقة، ويُبقي السوريين عالقين في محاولات مضنية للتخلص من آثار التدخلات الخارجية وبناء دولة ذات سيادة.

توغل إسرائيلي وتحركات عسكرية مكثفة

بعد سقوط نظام بشار الأسد وانتهاء حكم عائلته الذي استمر أكثر من 50 عاماً، أقدمت القوات الاسرائيلية على اقتحام المنطقة المنزوعة السلاح، التي أُنشئت داخل الأراضي السورية عقب حرب عام 1973. تصف إسرائيل هذه التحركات بأنها إجراء مؤقت لضمان أمن الحدود، لكنها تشمل عمليات واسعة النطاق في بلدات مثل جباتا الخشب، الحميدية، وأم باطنة، باستخدام دبابات وآليات ثقيلة، إضافة إلى تحليق مكثف لطائرات الاستطلاع.

في غضون أيام قليلة، بسطت القوات الاسرائيلية سيطرتها شبه الكاملة على المناطق الممتدة من كودنة إلى حضر، مع استهداف خلايا المقاومة الشعبية لتحرير الجولان.

المدنيون في مواجهة التوغل

أثبت المدنيون دوراً محورياً في الحد من التصعيد، بحيث نجحت اللجنة المدنية في التفاوض مع ضباط إسرائيليين للسماح بعودة السكان إلى قراهم في الحميدية والحرية، مع التزام بعدم عرقلة التحركات الاسرائيلية التي تركز على ملاحقة خلايا محسوبة على المحور الايراني. وأكد ضباط الجيش الاسرائيلي للوفد المدني أن وجودهم في المنطقة موقت ويهدف إلى حماية أمنهم القومي من أي عمليات انتقامية قد تنفذها الخلايا الايرانية.

تبلغ مساحة هضبة الجولان 1200 كيلومتر مربع، وتطل على لبنان وتتاخم الأردن. وكانت الجولان جزءاً من سوريا حتى عام 1967، حين احتلت إسرائيل معظمها في حرب الأيام الستة، ثم ضمتها عام 1981، لكن هذا الضم لم يحظَ باعتراف دولي.

إلى جانب التوغل العسكري، شنت القوات الاسرائيلية عمليات تفتيش واسعة في بلدات مثل الحميدية وجباتا الخشب، وأطلقت النار بصورة عشوائية لترهيب السكان. في بلدة معرية غربي درعا، فرضت القوات الاسرائيلية سيطرتها على نقطة الجزيرة المعروفة بـ”نقطة الصفر”، بينما أجبرت سكان بلدتي الحرية والحمدانية على النزوح إلى مناطق شرق القنيطرة.

كما استهدفت إسرائيل مواقع عسكرية تابعة للواء 90 في بلدة أم باطنة، واغتالت مدنياً في جباتا الخشب أثناء محاولته جلب الخبز.

غياب حكومي ومخاطر تصعيد مستمر

على الرغم من التصعيد الميداني، لم يصدر أي تعليق رسمي من الحكومة الانتقالية حول الأحداث الأخيرة. لكن مصدراً حكومياً أكد أنهم يعتزمون تقديم شكوى الى مجلس الأمن احتجاجاً على الانتهاكات الاسرائيلية، مشيراً إلى أن التأخير في التحرك الدولي يعود إلى انشغال الحكومة بعملية الانتقال السياسي الجارية.

ترتبط التحركات الاسرائيلية بمخاوف استراتيجية تتجاوز الأمن الموقت. فبالاضافة إلى ملاحقة خلايا المقاومة، تسعى إسرائيل إلى إعادة رسم معادلة النفوذ في الجنوب السوري، مع استمرار الفراغ السياسي والأمني الذي يعقّد المشهد.

بينما يبرز الدور المدني كعنصر أساسي في مواجهة التحديات، تبقى المخاطر الاسرائيلية والإرث الايراني عائقين كبيرين أمام تحقيق الاستقرار وإعادة بناء الدولة السورية.

شارك المقال