“الشاهين”… براعة محلية بتكاليف بسيطة غيّرت قواعد اللعبة

ماهر الحمدان

بدأت الحكاية في عام 2020، عندما حاولت “هيئة تحرير الشام” إعادة تأهيل الطائرات الايرانية من طراز “أبابيل-3″ و”مهاجر-2” التي أسقطت خلال المعارك. كانت تلك الطائرات تستخدمها الميليشيات الايرانية لأغراض الاستطلاع في المناطق الخاضعة لسيطرة قوى الثورة السورية. لكن، لم تكلل محاولات إعادة تأهيل الطائرات بالنجاح. عوضاً عن ذلك، توجهت الهيئة إلى محاولة محاكاة صناعتها، بحيث بدأت بتطوير طائرات محلية لأغراض الرصد في البداية، لتتطور لاحقاً إلى طائرات انتحارية.

استقطبت “هيئة تحرير الشام” كوادر تقنية متميزة لابتكار طائرات بدون طيار وتطويرها، وبدأت تدريجياً بتوسيع قدراتها التصنيعية. خلال فترة قصيرة، استطاعت إنتاج مئات الطائرات بقدرات حمل تصل إلى أكثر من 15 كيلوغراماً من المتفجرات.

درون الثورة السورية: من المحاولات البسيطة إلى النضج

مع تطور هذه الصناعة، تم تنظيم الجهود ضمن وحدة عسكرية تحت اسم “كتائب الشاهين”. ومع مرور الوقت، ظهرت تقنيات جديدة قيل إن بعضها جاء بدعم خارجي، خصوصاً من أوكرانيا بعد العام 2022، نتيجة تلاقي المصالح المشتركة بين السوريين والأوكرانيين لاستهداف الجيش الروسي، لا سيما في قاعدة حميميم.

مصادر من “هيئة تحرير الشام” نفت وجود تعاون مباشر مع أوكرانيا، لكن مصادر أخرى أكدت وجود هذا التعاون. يبرز ذلك من خلال التشابه الكبير في تقنيات الضربات التي شهدتها كل من أوكرانيا وسوريا. وبحسب تلك المصادر، حصلت “كتائب الشاهين” على تقنيات متطورة وتدريبات مخصصة، ما عزز من قدرتها على استهداف الأهداف بدقة عالية.

وأشارت إلى أن كوادر متخصصة ساهمت في تطوير صناعة الطائرات بدون طيار ضمن غرفة العمليات المشتركة، وبالأخص في إطار وحدة “الشاهين”. ولم يقتصر الدعم على التطوير التقني فحسب، بل شمل أيضاً وسائل تدريب متقدمة لتحسين دقة الاستهداف.

على الرغم من أن الطائرات المستخدمة كانت صناعية وبتكاليف بسيطة، إلا أنها أثبتت كفاءة عالية في تحقيق أهدافها. هذه الطائرات لم تكن مزودة بتقنيات متطورة لملاحقة الأهداف، بل اعتمدت بصورة أساسية على مهارة مشغليها، الذين أظهروا براعة في قيادة الطائرات، والمناورة، واختيار التوقيت المثالي لتنفيذ الهجمات بفاعلية.

يعود تاريخ استخدام الطائرات بدون طيار من قوى الثورة السورية إلى الفترة بين 2014 و2018. في تلك الفترة، كان الاستخدام محدوداً وفردياً، بحيث تم شراء طائرات تصوير تجارية من الأسواق وتعديلها لاستخدامها في الاستطلاع العسكري. أضيفت إلى بعضها عبوات متفجرة بسيطة، لكنها لم تحقق تأثيراً يذكر بسبب غياب الامكانات التقنية والنضج الصناعي.

كانت قوى الثورة السورية تعتمد بصورة رئيسية على أسلحة مستوردة أو مغتنمة من قوات النظام، إضافة إلى أسلحة يتم شراؤها عبر شبكات الفساد داخل النظام نفسه. لكن، كان هذا الواقع يفتقر إلى تنظيم الابتكار العسكري الذي تحقق لاحقاً في مشروع “الشاهين”.

“الشاهين” في الجبهات: الرعب القادم من السماء

أصبحت طائرات “الشاهين” عنصراً حاسماً في المعارك. النقيب نمير، من إدارة الحرب الالكترونية التابعة للجيش السوري، يصف الطائرات بأنها على الرغم من بساطتها، تشكل تحدياً إلكترونياً كبيراً. وأشار إلى أنهم كانوا يقومون بتغيير أجهزة الإشارة والتشويش كل عشر دقائق لضمان استمرار أجهزة الاشارة في العمل.

وعلى الرغم من التحديات، كانت “الشاهين” تصيب أهدافها بدقة عالية، ما جعلها مصدر رعب حقيقي في الجبهات. وأكد النقيب أن الطائرات لعبت دوراً كبيراً في معارك مثل قحمانة وجبل زين العابدين، ووصف سقوط النظام في هذه المناطق بأنه كان نتيجة مباشرة لفاعلية “الشاهين”.

أوضح العقيد الركن الطيار عبد الله الحمدان أهمية السيطرة الجوية، قائلاً: “من يملك السماء يملك الأرض. في حال كان هناك تفوق جوي رافقه تفوق تقني، فأنت تلعب بالعدو بسهولة”. وأشار الحمدان الى أن طائرات الدرون، على الرغم من بساطة التقنية التي امتلكتها قوى الثورة السورية في مواجهة نظام الأسد، ساهمت بصورة كبيرة في مسح الجغرافيا وتحديد الأهداف، ما أعطاها ميزة استراتيجية مهمة في ميدان المعركة.

وأضاف أن الطائرات ذات القدرات المتقدمة مثل ISR Drones (طائرات الاستطلاع والمراقبة) تتمتع بميزات تفوق كبيرة، خصوصاً في التصوير الليلي، حيث يمكنها كشف الأهداف المخفية والمموهة باستخدام تقنية التصوير الحراري (Thermal Imaging)، التي تعتمد على استشعار حرارة الأهداف بدلاً من الضوء المرئي.

وتابع: على الرغم من ذلك، لم يتضح ما إذا كانت قوى الثورة قد وصلت فعلياً إلى هذه التقنيات بالغة التطور، أو أنها استخدمت حلولاً تقنية أبسط لتحقيق نتائج مشابهة. وربما ساهمت دول حليفة في تمكين هذه القدرات وتسهيل المهمة، لكن النتيجة النهائية أن هذه التقنيات منحت طائرات “الشاهين” دوراً مدمراً وفاعلاً في ساحات القتال.

ختاماً، يمكن القول إن مشروع “الشاهين” مثّل قفزة نوعية في مسار الثورة السورية على صعيد الابتكار العسكري، بحيث برهن على أن البراعة المحلية، حتى في ظل الامكانات المحدودة، يمكن أن تغيّر قواعد اللعبة في ميادين القتال. تطور هذه الطائرات بدون طيار من أدوات استطلاع بسيطة إلى منظومات هجومية فاعلة يعكس روح التحدي والإبداع لدى كوادر الثورة. وعلى الرغم من التحديات التقنية والقيود اللوجيستية، أثبتت “الشاهين” قدرة الطائرات المحلية الصنع على إحداث تأثير كبير، ليس من خلال استهداف الأهداف بدقة وحسب، بل أيضاً عبر فرض معادلات جديدة على الخصوم، ما جعلها رمزاً للرعب في سماء المعارك السورية.

شارك المقال