“الحزب” بـ “نسخة” جديدة إذا استفاد من تجاربه الماضية

زياد سامي عيتاني
نعيم قاسم

أثار كلام الأمين العام لـ “حزب الله” الشيخ نعيم قاسم عن حصر تنفيذ الاتفاق بمنطقة جنوب الليطاني تساؤلات حول إصراره على الاحتفاظ بترسانته وبنيته العسكرية في الداخل اللبناني، لا سيما أن الاتفاق ينص على تطبيق القرارات الدولية 1559 و1680 و1701، أي ما يعد تفكيكاً للمنظومة العسكرية على جميع الأراضي اللبنانية. في موازاة ذلك، يعتبر المتابعون أنه يجب عدم إجتزاء الخطاب، بل التعامل معه بكليته، مع الأخذ في الإعتبار الجزء “الشعبوي” منه الذي توجه به إلى فلك الحزب، والأهم من ذلك ما طرحه من عناوين سياسية، تعتبر جديدة على خطاب الحزب، ويمكن وصفها بالمتقدمة، قياساً الى طروحه السابقة.

وكان لافتاً في آخر خطاب للشيخ قاسم النقاط الخمس التي طرحها، ويمكن إعتبارها بمثابة محددات ومنطلقات لتوجهات الحزب وبرنامج عمله للمرحلة القادمة. وهذه النقاط هي:

– تنفيذ الاتفاق في جنوب نهر الليطاني.

– إعادة الاعمار بمساعدة الدولة ‫المسؤولة عن الإعمار والتعاون مع كل الدول ‫والمنظمات والأشقاء والأصدقاء.

– العمل الجاد لانتخاب الرئيس في 9 ‫كانون الثاني لتنطلق عجلة الدولة.

– المشاركة من خلال الدولة ببرنامج ‫إنقاذي، إصلاحي، اقتصادي، اجتماعي مبني على ‫المواطنة والمساواة تحت سقف القانون واتفاق ‫الطائف.

– الحوار الايجابي حول القضايا ‫الاشكالية.

أهم وأبرز ما جاء في هذه النقاط الإقرار والإعتراف الصريحين بإتفاق “الطائف” بصورة واضحة لا لبس فيها، ولا تحمل أي تأويلات أو إجتهادات بشأنه، ربما قد تكون المرة الأولى التي يعبّر فيها الحزب بصورة حاسمة عن إلتزامه بالإتفاق، خصوصاً وأنه خلال السنوات الماضية، كان ثمة توجه لديه بالذهاب إلى مؤتمر تأسيسي، أو أقله تعديل الإتفاق.

أما النقطة الثانية، الجديرة بالتوقف عندها، فهي النقطة الأخيرة، التي تتعلق بالحوار (الايجابي) حول القضايا (الاشكالية)، ما يعني بالدرجة الأولى قبوله بالرأي الآخر بشأن القضايا المختلف عليها من جهة، وقبوله بمناقشتها بما أسماه “الحوار الايجابي”، ما يعني “نزوله عن الشجرة”، وبالتالي العودة مضطراً الى الانخراط في حوار وطني مع مختلف القوى السياسية اللبنانية، بهدف التوصل إلى تسوية تضمن استقراره السياسي وتخفيف الضغوط عنه، ويتماشى هذا السيناريو مع الدعوات المحلية والدولية الى دمج الحزب في المؤسسات الرسمية ونزع سلاحه. وهذا ما يمكن أن يؤسس لمرحلة جديدة “مريحة” من تاريخ لبنان الذي بقي متأزماً ومنقسماً بصورة عمودية وحادة منذ جريمة إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، خصوصاً في ما يتعلق بموضوع سلاح الحزب، الذي عمّق الانقسام الطائفي في لبنان، وخصوصاً داخل الساحتين “السنية” و”المسيحية”، إضافة إلى أن هيمنة الحزب على المشهد السياسي تسببت في خلل كبير في توازن القوى، وكرّست الهيمنة “الشيعية” على حساب المكونات الأخرى.

هنا يجب التأكيد أن لا أحد من الفرقاء اللبنانيين يتعاطون مع الحزب له “كمهزوم”، ولا هو كذلك، على الرغم مما تعرض له من ضربات، إذ لا يزال لاعباً أساسياً ومحورياً على الساحة اللبنانية، بما يمثله سياسياً وشعبياً، فضلاً عن تضحياته الكبيرة في مواجهاته مع العدو الصهيوني (لا يمكن لأحد نكرانها، مهما بلغت الخلافات السياسية). من هذه الزاوية، فإن “حزب الله” أمام مفترق طرق، إما أن يعزز نفوذه بالقوة، ما قد يؤدي إلى مزيد من العزلة والضغوط، ما قد يدفع إسرائيل الى اتخاذ القرار بشن حرب جديدة، أو الانخراط في حوار وطني يفضي إلى تسوية سياسية تضمن استقرار لبنان وتخفف من حدة التوترات الداخلية والخارجية، لا سيما وأن فكرة إحياء “حزب الله” هي بالنسبة إلى إسرائيل خط أحمر بغض النظر عمّا يتضمنه اتفاق وقف إطلاق النار الذي أنجزت إسرائيل من خلاله أهدافها العسكرية.

النقاط الخمس التي طرحها الشيخ نعيم قاسم، يمكن أن تشكل مرحلة تأسيسية جديدة بعد تقييمه كل المراحل السابقة منذ تأسيسه إلى اليوم، وكذلك دوره وموقعه السياسي في الداخل اللبناني، وعلاقاته بإيران. إلا أن المتابعين يتخوفون من محاولات “حزب الله” الالتفاف على تنفيذه إتفاق وقف اطلاق النار، (الذي يتضمن بنوداً صارمة وعلى رأسها ملف السلاح)، من خلال تفسير بنوده، في محاوله للتهرب من استحقاقات تنفيذه، خصوصاً أنه ينص على تفكيك بنيته العسكرية ابتداء من جنوب نهر الليطاني، إعتقاداً منه أن تفكيك هيكليته العسكرية يؤدي إلى تراجع نفوذه ودوره السياسي في البلاد، ما يدفعه الى التمسك بثلاثية “الشعب، الجيش، والمقاومة” لتبرير وجود سلاحه شمال الليطاني، لا سيما إذا تقاعست الحكومة اللبنانية وأبدت عدم جدية في تنفيذ الاتفاق، ما سيعيد الفرصة للحزب بإعادة ترميم نفسه بعد أن يتكيف مع الواقع الجديد.

كما يتخوف المراقبون من لجوء الحزب الى المناورة السياسية في ملف رئاسة الجمهورية، عبر محاولات منع وصول رئيس “سيادي وقوي”، ودفع القوى المعارضة له إلى تسوية تتيح انتخاب رئيس “مساوم” يتغاضى عن سلاحه ومشروعه الاقليمي.

القادم من الأيام، سيكون حاسماً لجهة معرفة السلوك الجديد لـ “حزب الله”، وإذا كان مستعداً للانخراط في حوار وطني مع مختلف القوى السياسية اللبنانية، بهدف التوصل إلى تسوية تضمن استقراره السياسي وتخفف الضغوط عنه، بما يتماشى مع سيناريو الدعوات المحلية والدولية الى دمج الحزب في المؤسسات الرسمية ونزع سلاحه. فهل سنكون في المرحلة المقبلة مع “حزب الله” بنسخة جديدة ورؤية جديدة للمستقبل في ضوء المعطيات والتطورات الجارية في لبنان والمنطقة والعالم، بعد أن يكون قد إستفاد من تجارب المرحلة الماضية، محاكياً التحولات والمتغيرات في المنطقة والعالم، وإنعكاساتها على الداخل اللبناني؟

شارك المقال