بعد مرور 13 يوماً على سقوط نظام بشار الأسد، تسابق حكومة تصريف الأعمال الزمن لتفعيل مؤسسات الدولة وإعادة الخدمات الأساسية. رحل الأسد تاركاً وراءه دولة منهكة ومؤسسات مدمرة، وكأنها غير قابلة للحياة. خلال عقود حكمه، حوّل سوريا إلى “مزرعة” تخدم مصالحه الشخصية، وعمل على إفقارها عبر سرقة الأموال العامة وإضعاف بنيتها التحتية. اليوم، يجد السوريون أنفسهم في مواجهة إرث ثقيل يتطلب جهوداً خارقة لإنقاذ البلاد.
إذ يقف الاقتصاد السوري اليوم على حافة الهاوية، خزائن البنك المركزي شبه فارغة، ولا تحتوي سوى على احتياطي محدود من العملات الأجنبية والذهب. مع توقف إمدادات النفط من إيران، توقفت مصفاة بانياس عن العمل، ما زاد من تفاقم الأزمة. ومع ذلك، يبقى السؤال: هل يمكن أن يزداد الوضع سوءاً؟ الجواب: نعم.
أكثر من 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، وفق تقارير أممية، بينما تسجل الأجور مستويات متدنية للغاية مقارنة بمتطلبات الحياة اليومية. على الرغم من تحسن طفيف في قيمة الليرة السورية نتيجة تدفق السوريين من دول الجوار وتخفيف قيود تداول العملات، إلا أن الاقتصاد لا يزال “عند الصفر”.
غياب الدور العربي الحقيقي
على الرغم من الأهمية الاستراتيجية لسوريا في العمق العربي، إلا أن الدور العربي يبدو غائباً بصورة لافتة. باستثناء جهود قطر الإنسانية، التي من المرجح أن تتصاعد لدعم البنك المركزي السوري، لا مبادرات عربية ملموسة. في الوقت نفسه، تظهر تركيا استعدادات واضحة لدعم الحكومة الموقتة، بينما تتسارع الوفود الغربية إلى سوريا.
على الصعيد النفطي، ومع توقف إيران عن توريد النفط إلى سوريا، كان من المتوقع أن تبادر الدول العربية الى تعويض النقص، لكن هذا لم يحدث. وبالمثل، لم نشهد أي تحرك عربي لدعم نقابات النفط أو توفير مساعدات عاجلة للبنك المركزي.
سوريا بحاجة ماسة إلى مؤتمر عربي حقيقي، بعيداً عن الأجندات السياسية، لدعم اقتصادها وإنعاش عمل مؤسساتها. هذا الدعم ليس مجرد ترف، بل ضرورة لضمان استقرار سوريا ومنعها من الانزلاق إلى مزيد من الأزمات.
مثلت الثورة السورية، وما تلاها من سقوط النظام، انتصاراً على المشروع الفارسي الذي كان يهدد هوية المجتمع السوري والعربي. كما أسهمت الثورة في وقف تدفق حبوب الكبتاغون التي كانت تُستخدم لزعزعة استقرار الدول العربية. ومع ذلك، لم تتم مكافأة السوريين على هذا الإنجاز، بل تُركوا لمواجهة مصيرهم وحدهم.
اليوم، تعود سوريا إلى الحضن العربي، لكنها بحاجة إلى دعم فعلي يعيد بناء الدولة والمجتمع. تحتاج البلاد إلى استشارات وخبرات عربية لبناء حكومة وقوى أمنية قوية، تضمن الاستقرار وتُعيد تشكيل المجتمع السوري على أسس أصيلة تعكس هويته العربية والاسلامية.
وأعرب أحمد الشرع، قائد الادارة العامة، عن رغبته في الافادة من الخبرات السعودية في دعم التنمية الاقتصادية وإعادة الإعمار. على الرغم من هذه الرسائل الايجابية، لا يزال غياب التنسيق العربي الموحد يشكل عائقاً كبيراً أمام تحقيق تقدم ملموس.
تحركات دولية
في المقابل، يتحرك المجتمع الدولي بسرعة لدعم سوريا. أعلنت المفوضية الأوروبية عن جسر جوي إنساني وتخصيص 4 ملايين يورو إضافية للمساعدات الانسانية، ليصل إجمالي الدعم الأوروبي إلى 163 مليون يورو هذا العام. كما صرح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن خطط لتوريد القمح إلى سوريا بالتعاون مع شركاء دوليين، بعد توقف روسيا عن التوريد. هذه الجهود تمثل شريان حياة موقتاً، لكنها لا يمكن أن تحل محل الدعم العربي المطلوب.
حكومة تصريف الأعمال في سوريا تجد نفسها أمام مهمة شاقة إذ يتطلب تجاوز الأزمة الاقتصادية تقديم ضمانات للمستثمرين، وتخفيف العقوبات الدولية، ودعم القطاع الخاص بسياسات ضريبية وائتمانية مشجعة. كما أن الاعتماد على النفط والموارد المحلية سيخلق بيئة مالية قوية تشجع الاستثمار وتنعكس إيجاباً على المواطن السوري.


