مواد “شديدة الاشتعال” تُوقع شهيديْن وتُشرّد 12 عائلة في الميناء!

إسراء ديب

تحوّل عيد الميلاد في طرابلس هذا العام إلى كابوسٍ يعكس “سواد” الإهمال الذي تُعانيه المدينة منذ أعوام، بعد استشهاد المتطوّع الاختياري عبد الله محمّد المهتدي (من عديد مركز الشمال الاقليمي في الدّفاع المدنيّ) والمعاون في فوج إطفاء طرابلس خليل رمزي شقرا أثناء عملهما في إخماد حريق مستودع للخرضوات أسفل مبنى “زيْلع” الذي اتّضح احتواؤه على مواد شديدة الاشتعال مثل البويا، التنر، البطاريات وغيرها من المواد التي أدّت إلى انهيار المبنى عليهما فجأة ومن دون سابق إنذار.

الحريق الذي بدأ عند الساعة الرابعة والنصف بعد الظهر تقريباً يوم الثلاثاء، دفع فرق الدّفاع المدني، فوج الإطفاء، مركز الطوارئ والإغاثة والصليب الأحمر اللبناني وغيرها، إلى التوجّه بآليّاتهم ومعدّاتهم المعروفة بأنّها غير مجهزة “كما يجب” شمالاً، إلى مركز الحريق، وعمل الدفاع المدني مع الجيش والمتطوّعين على إخلاء المبنى من السكّان لأنّهم “شكّوا” باحتمال تمدّد النيران إليهم أو إلى المبنى المجاور الذي يتضمّن منشرة وخزانات مازوت. وبعد ساعات على استمرار الحريق الذي كان صعباً للغاية وفق شهادة العناصر والمتطوّعين، انهار المبنى فجأة عند السابعة مساءً تقريباً، فوقعت “الفاجعة” التي فقدوا خلالها الاتصال بأشقر والمهتدي الذي تعرّض لاصابة خطيرة، وبعد محاولاتهم إنقاذه، استُشهد.

محاولات العناصر التطوّعية للبحث عن ناجين ظلت مستمرّة حتّى الفجر، وعند الساعة الرابعة فجراً ووفق بيان الدّفاع المدنيّ، سُحب جثمان الشهيد أشقر، ونُقل ثلاثة عناصر من الدفاع المدني إلى مستشفى المظلوم وخرجوا في اليوم التالي. وبعد إخماد الحريق ورفع الأنقاض، يُمكن التأكيد أنّ وجود العناصر “نعمة” جنّبت المنطقة كارثة إضافية، لكنّها لا تخلو من “نقمة” تتحدّث عن غياب الامكانات والتجهيزات لمن وهَب روحه في سبيل إنقاذ الطرابلسيين والشماليين.

وفي وقتٍ تُؤكّد فيه المعطيات، غياب تنسيق الأجهزة الأمنية في هذه الحادثة، يلفت مصدر في الميناء، إلى أنّ المباني (غالبيتها) الموجودة في النقطة التي سقط فيها المبنى مهدّدة بالسقوط، “فالهواء البحريّ الذي يضربها، يُؤدّي إلى صدأ الحديد فيها وتآكله باستمرار، ويجب ترميمها أو بناؤها من جديد بمعايير أعلى من الطبيعيّ، ليصل قطر الحديد فيها إلى 16 ملميتراً عوضاً عن 8، ولا نغفل أنّ المبنى قديم وعمره بيْن 40 إلى 50 عاماً، وكانت بلدية الميناء قد أرسلت أكثر من مرّة، إنذارات مختلفة للعقارات في المنطقة عينها، وتمّ دعم العواميد سابقاً، لكنّه لا يُلبّي الاحتياجات، وبسبب الحريق الذي استمرّ أكثر من ثلاث ساعات، لم يتمكّن أحد من إخماده بالسرعة المطلوبة، لانّ الدقيقة الواحدة مهمّة في هذه الظروف”.

ويُوضح المصدر عبر “لبنان الكبير” صعوبة إخماد هذا الحريق بالطرق التقليدية، بسبب العوامل الآتية: ضعف العتاد والتجهيزات، ضعف العديد وعدم تثبيتهم أو سوء رواتبهم، محمّلاً جهات عدّة مسؤولية هذا “الاهمال”، اذ “لا يمكننا إلقاء اللوم على جهةٍ واحدة، لكن تقع مسؤولية على البلدية التي لا يسمحون لها بتطبيق القانون أساساً، وعليها إجبار أصحاب المحال والمستودعات على وضع مطفأة الحريق المناسبة، نقابة المهندسين التي عليها تدريب شرطة متخصّصة على السلامة العامّة (وما يجب تخزينه أو تفاديه)، مؤجّر المستودع والمستأجر، وكذلك أصحاب العقارات في المبنى أو المباني التي هناك مخزن أسفلها (لمراقبته دورياً والإبلاغ عنه فوراً)”.

ويقول: “حين نستأجر مخزناً من صاحب العقار، لا يسألني عن نوع الأغراض التي أُخزّنها، ولا تتمكّن البلدية من متابعة هذا الأمر يومياً، ونحن نؤكّد أنّ تجهيزات السلامة العامةّ شمالاً وفي قلب المستودعات سيئة جداً بغياب الثقافة التي تحثّ صاحب البضاعة على عدم وضع مواد خطيرة أسفل المباني أو بالقرب منها، فيضع بضائع بمليون دولار، لكنّه لا يشتري مطفأة، وفي حال اشتراها لا تٌلبّي الحاجة ولا تطفئ الحرائق الكبيرة، إذْ يحتاج إلى مطفأة ثاني أوكسيد الكربون المثالية لإخماد أنواع الحرائق المختلفة”.

وعن الحريق، يُشير المصدر الى أنّ ضابطاً كان استنكر وجود مدنيين قرب المبنى، “حيث طرد حوالي 30 مدنياً ليبتعدوا عن مكان الحريق الذي لم يضعوا شريطاً حوله يمنع دخول غير المسهمين في إخماده إليْه، لكنّ العنصرين المندفعيْن والشهيديْن كانا ضحية سقوط المبنى، مع العلم أنّ العناصر والجيش شعروا بهذه الخطورة، فاتجهوا إلى 12 شقة في الطبقات الست، لإخراج أصحابها من المبنى، وأجبروا بعض من رفض منهم الإخلاء بالقوّة، (ومنهم من كان يضع شجرة الميلاد وأغراض العيد في منزله ولا يُريد التخلّي عنها)”.

أمّا عن مصير سكان المبنى، فيتساءل المصدر عن كيفية التعويض عليهم، قائلًا: “إنّ تكلفته تتجاوز المليون دولار، لكنّ بعد إخلاء المبنى، وحديث البعض عن ضرورة افتتاح فندق الكواليتي إنْ لهم، يُمكن التأكيد أنّ الأهالي يتوجّهون لدى أقربائهم ومعارفهم في الميناء ريثما يجدوا البديل الذي لم تتحدّث عنه الدّولة”. ويستنكر غياب التغطية الـعلامية عن الحدث قائلاً، معتبراً أنه “لو كان مخزناً للأسلحة، لوجدنا الاعلاميين كالنمل في الميناء”.

ومن جهاز الطوارئ والإغاثة، يقول مسؤول منطقة طرابلس رشيد مقصود لـ”لبنان الكبير”: “ما حدث فاجعة، والمشكلة تكمن في بنية المبنى التحتية وحالها التي يُرثى لها، وغياب التنسيق بيْن الفرق التطوّعية التي تعمل جاهدة على إنقاذ ما يُمكن إنقاذه، ولكن لا يُمكن أنْ يعمل كلّ بمفرده، وعلى كلّ فرقة العمل ضمن اختصاصها بالتعاون مع الأخرى، فنحن لدينا إمكانات بشرية ممتازة، لكنّنا بتنا ننتظر ساعات لوصول المعدّات من بيروت، ونقولها إنّنا قدّمنا جهوداً جبارة لكنّ الكارثة كانت أكبر منّا وينقصها وجود اليد العليا أيّ الدّولة”.

ويُضيف: “المبنى لم يُعطِ إنذاراً، ورصدنا لدى سقوطه الحديد الذي يتضح أنّه مفقّع بالباطون، أمّا عن الشابيْن (وأحدهما المهتدي المعيل الأكبر والأهم في عائلته خصوصاً بعد وفاة والده)، فكانا عند الكاراج يُطفئان حريق المبنى الهائل من الخارج، وبعد سقوطه، بحثنا كثيراً عنهما، وما دلّنا إليهما هو خرطوم مياه الإطفاء”، ويختم قائلاً: “للأسف لا يجب الاستهتار بحياة النّاس الغالية”.

شارك المقال