ثلاثة أشهر مضت على العملية العسكرية الأكبر التي طالت عناصر “حزب الله” منذ تاريخ تأسيسه، وعرفت بعدّة أسماء، أبرزها “عملية البايجر” التي حصدت ما لا يقل عن 4000 جريح وعدد من الشهداء، تركّزت إصاباتهم في الوجه واليدين، ولا يزال عدد كبير منهم يعالج حتى اليوم في العراق وإيران، بسبب الاصابات البليغة التي تحوّلت إلى إعاقات دائمة، مثل فقدان البصر وبتر الأطراف والأصابع.
قبل أيام بدأت صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، وحسابات خاصة بتداول صور لجرحى من النساء والأطفال أصيبوا بـ “البايجر”، وهم من أعمار مختلفة، كما أن اصاباتهم تركزت في منطقة الوجه واليدين أيضاً. وبحسب الأرقام التي حصل عليها موقع “لبنان الكبير” من اسعاف الهيئة الصحية التابعة لـ “حزب الله”، يقدر عدد ضحايا “البايجر” من نساء وأطفال باصابة 63 طفلاً وهم تحت سن الـ14 سنة، وإصابة 13 امرأة، بالاضافة إلى مقتل 9 أطفال وسيّدة كانت تعمل في قسم التنظيفات في مستشفى “السان جورج”.
” Error Press Ok”
“آخر شيء قرأته قبل أن تنطفئ عيناي، Error Press Ok على جهاز البايجر”، تقول ابنة الـ25 عاماً، التي فقدت بصرها، كفّها الإيسر، وأصابع كفّها الأيمن، وتتحدث لموقع “لبنان الكبير”، بعد أن رفضت ذكر اسمها، عن اليوم الذي حرمت فيه من رؤية أولادها الى الأبد.
تؤكد الصبية العشرينية أنها لن تنسى نهار الثلاثاء 17 أيلول الذي غيّر حياتها “بكبسة زر”: “كنت في منزلي في البقاع، أحضّر مونة الموسم من المكدوس على الشرفة، وكان زوجي قد خرج إلى السوق لإحضار بعض الأغراض، وترك الجهاز الصغير على الطاولة في الصالون”. وتكمل حديثها الذي طغى عليه شيء من الغصّة: “صدر صوت طنين من البايجر، بشكل لا يمكن تجاهله، وكأن الجهاز يناديك لتقترب منه، وصلت إلى الطاولة، نظرت إلى الجهاز باستغراب، لماذا يصدر هذا الصفير اللامنقطع، وما لفتني هو الضوء الذي ظهر على الشاشة باللون البرتقالي لأوّل مرّة، فالشاشة لونها أبيض في الأساس، لذلك التقطته لأطفئه، ولأن الجهاز صغير وشاشته صغيرة، قرّبته إلى وجهي لأقرأ الجملة التي ظهرت عليه بخط صغير جداً غير مقروءة على غير عادة”، تؤكد على كلامها، لأنها ليست المرّة الأولى التي تلتقط فيها الجهاز، لإعطائه لزوجها بحسب قولها، لذلك لاحظت الفرق، أمّا الجملة التي قرأتها قبل أن تشعر بحرارة في يديها فهي “Error Press Ok”.
وتضيف: “بقيت واقفة لثواني قبل أن أفقد وعيي تدريجياً، وقد علمت على الفور أن الجهاز انفجر، سقطت أرضاً، وأخبروني فيما بعد أنني حاولت اسعاف نفسي، وزحفت من الصالون إلى محاذاة الباب الخارجي”.
نقلها أهل زوجها إلى مستشفى “دار الأمل” في بعلبك، “بعدما ظنوا أن الغاز الكهربائي انفجر في وجهي، لم يتخيّل أحد أن هناك عبوة كانت في منزلنا طوال هذا الوقت”.
أمّا أكثر ما يحزنها فهو عدم تقبل أولادها لها بسبب التشوهات التي طالت وجهها، لذلك تصر على القيام بكل عمليات التجميل من أجل طفليها، اللذين يرددان دائماً “بدنا ماما القديمة”.
وكان برنامج “60 دقيقة” الأميركي استضاف ضابطين سابقين في الموساد رفضا الكشف عن هويتهما، وتحدثا عن المخطط الطويل الذي سبق تنفيذ عمليتي “الووكي توكي” و”البايجر”. وشرح أحدهما أن الغاية من المخطط الذي بنى على تضليل الحزب لم يكن يهدف الى الاغتيال وإنما إحداث التشويه والإعاقة وتكبيد الحزب التكاليف الباهظة التي ستتطلبها الرعاية الصحية للضحايا.
وبنى الموساد عملية “البايجر” على التضليل والخداع، بحيث طوّر على مدار أكثر من عقد أجهزة اتصال لاسلكية مفخخة وخصصها للبيع لـ “حزب الله”. واستخدم أساليب معقدة لإخفاء هوية البائع بشكل يضمن عدم تعقب الأجهزة إلى إسرائيل، بما في ذلك إنشاء شركات وهمية وضبط أسعار الأجهزة لتجنب إثارة الشكوك. وجهزت أجهزة “البايجر” بمتفجرات صغيرة تم اختيارها بعناية لإحداث أكبر ضرر ممكن لعناصر الحزب.
واستثمر الموساد كثيراً في الترويج لهذه الأجهزة عبر إعلانات مزيفة لجعلها تبدو كمنتج عالي الجودة. وتم إقناع “حزب الله” بشرائها، من دون أدنى فكرة عن مصدرها الحقيقي. وفي النهاية، تم تنشيط هذه الأجهزة في أيلول 2024، ما أحدث سلسلة من التفجيرات التي أصابت عناصر “حزب الله” بصورة دقيقة، وتسببت في حالة من الفوضى والدمار في لبنان.


