مطالبة “الحزب” بـ “الاستراتيجية الدفاعية” لإعادة بناء قدراته العسكرية؟

زياد سامي عيتاني
حزب الله

“الاستراتيجية الدفاعية” التي عاد قادة “حزب الله” الى الحديث عنها على قاعدة “ثلاثيته”، التي لم تعد ممكنة ولا مقبولة بعد إتفاق الهدنة، الذي ينص في أحد بنوده على تجريد المجموعات المسلحة من سلاحها، تطرح تساؤلات مقلقة حول توقيتها وأهدافها، وما إذا كان الهدف منها الحصول على “غطاء” شرعي لبناني (تجاوزه الزمن)، خصوصاً وأن التصريحات الصادرة عن “حزب الله” يجب أن تراعي التطورات الحاصلة، خصوصاً في ما يتعلق بتطبيق القرار 1701، الذي يمنح الدولتين، لبنان وإسرائيل، حق الدفاع عن النفس بشرط عدم الاعتداء المتبادل، وأنه في حال أي اعتداء على لبنان، فإن السلطة السياسية اللبنانية هي الجهة الوحيدة المخوّلة بالرد، ويتم ذلك من خلال وضع القدرات كافة تحت تصرف الجيش اللبناني بقرار منها، وليس بقرارات منفردة، وذلك بهدف محاولة الحزب إعادة بناء قدراته العسكرية، بالتزامن مع سعيه إلى احتواء تداعيات الحرب على بيئته من خلال تعويضات مالية للمتضررين لا سيما بعد تصاعد أصوات تحمله مسؤولية الدمار والتهجير، خصوصاً وأن إقحام نفسه بما سمي “جبهة المشاغلة”، لم يحقق إلا النتائج العكسية الكاراثية على لبنان وعلى “حاضنة” الحزب الجغرافية والشعبية.

وما يزيد من المخاوف والقلق ما أشار إليه تقرير لصحيفة “تايمز أوف إسرائيل” إلى أن “حزب الله بدأ في إعادة بناء قدراته، ما يثير تساؤلات حول نيات الحزب في التزام الاتفاق”. وفي السياق نفسه، أفادت صحيفة “التايمز” البريطانية، بأن إيران تدرس إمكان تهريب أسلحة إلى حليفها “حزب الله” عبر رحلات جوية مباشرة إلى لبنان، وذلك في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، التي كانت تعتبر ممراً برياً رئيسياً لنقل الأسلحة إلى الحزب.

ووفقاً للتقرير، استؤنفت الرحلات الجوية من طهران إلى بيروت، لكنها لم تعد تمر عبر الأجواء السورية ما قد يجعل من بيروت مركزاً لوجيستياً أساسياً للإمدادات العسكرية الايرانية، (ويعد استخدام هذا المسار الجوي المحتمل انتهاكاً لاتفاق وقف إطلاق النار الأخير بين إسرائيل ولبنان، ما يهدد بإشعال صراع جديد في المنطقة).

وتضيف “التايمز” أنه على الرغم من تراجع نفوذ إيران في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، تسعى طهران إلى دعم حلفائها المتبقين في المنطقة، بما في ذلك الميليشيات في العراق واليمن، بالاضافة إلى “حزب الله”. ففي الوقت الذي يؤكد بعض الخبراء العسكريين أن الحزب يعتقد أن تفكيك هيكليته العسكرية يؤدي إلى تراجع نفوذه ودوره السياسي في البلاد، ويحوّله من تنظيم عسكري كبير إلى هيكلية أمنية شبيهة ببداياته في الثمانينيات، فإن قياديين داخله يؤكدون أن الحزب اتخذ قراراً حاسماً بوقف الحرب مع إسرائيل، وترجم بعدم الرد على الخروق الاسرائيلية المستمرة، وأن هناك تنسيقاً مع الجيش اللبناني حول الانسحاب من جنوب نهر الليطاني، إلا أن السلاح شمال الليطاني لن يكون مطروحاً في المرحلة الحالية”، إذ إن الجيش غير قادر على حماية الحدود الشرقية والشمالية في ظل الحكم الجديد في سوريا.

مواقف الحزب تتسم بتخبط واضح، الأمر الذي يعكس الصدمة العميقة التي تعرض لها، والتي لا يزال خاضعاً لتأثيرها السلبي، ما يحول دون تمكنه من رؤية الواقع بوضوح كما ينبغي، فالوضع الحالي يختلف تماماً عن المرحلة التي أعقبت حرب 2006، إذ على الرغم من التدمير الذي حصل حينها، إلا أن الحزب تكبّد اليوم خسائر كبيرة على مستوى قياداته العسكرية والسياسية من الصفين الأول والثاني، إضافة إلى انقطاع اتصاله بمحوره الاقليمي بعد التطورات الأخيرة في سوريا، ما يجعل دوره الاقليمي محدوداً في الاطار الجغرافي للبنان.

بناءً على ما تقدم، فإن على “حزب الله” أن يدرك بأن “الاستراتيجية الدفاعية” ليست مجرد تعاون بين المقاومة والجيش، بل يجب أن تبنى على شمولية قدرات الدولة، من استراتيجية وجغرافيا وسياسة واقتصاد ومالية وحضارة، في إطار مفهوم واحد يسمى الأمن القومي، الذي تعمل بموجبه السلطة السياسية على تحديد استراتيجيتها الدفاعية، ومن خلاله يتم تكليف الجيش اللبناني برسم السياسات الدفاعية، أما أي دور عسكري أو أمني خارج إطار الدولة فيعدّ خروجاً عن السيادة.

وعليه، فإنه لا بد من وضع “استراتيجية دفاعية” مدروسة جيداً تحت إشراف عسكريين مختصين، بعيداً من تدخل أي جهة حزبية في إعدادها، وذلك بعد انتخاب رئيس جديد وتشكيل حكومة، بحيث أن على “حزب الله” أن يدرك بأن تنفيذ هذه الاستراتيجية يجب أن يكون تحت إشراف المجلس الأعلى للدفاع، الذي يضم في عضويته رئيس الجمهورية، ورئيس الحكومة، ووزير الدفاع، وعدداً من الوزراء المعنيين، وقائد الجيش. اذ إن “الاستراتيجية الدفاعية” لا يحددها “حزب الله”، بل يتم إعدادها من لجنة عسكرية مختصة بعد تشكيل الحكومة الجديدة كي تعمل على دراسة وإعداد استراتيجية شاملة تعرض أولاً على الحكومة ثم ترفع إلى مجلس النواب للموافقة عليها.

يشار في هذا السياق الى وجود عدة مسودات لـ “الاستراتيجية الدفاعية” قد وضعت، تنص على أن يكون الجيش اللبناني نواتها، أما الفرق العسكرية غير النظامية، بما في ذلك “حزب الله”، فيجب أن تكون ملحقة بـ “الاستراتيجية الدفاعية”.

تتجه الأنظار إلى الجيش اللبناني الذي تقع على عاتقه مهمة تنفيذ بنود الاتفاق على الأرض، في خطوة تُعتبر اختباراً لقدراته وللتفاهمات الدولية والمحلية المتعلقة بالوضع الأمني في الجنوب، حيث نص إتفاق الهدنة على نشر الجيش اللبناني 10 آلاف جندي في جنوب نهر الليطاني، بما يشمل 33 موقعاً على الحدود مع إسرائيل مع إقامة نقاط تفتيش ومراكز مراقبة لمنع أي نشاط عسكري غير مشروع، إضافة إلى مصادرة الأسلحة غير المرخصة وتفكيك المنشآت العسكرية غير القانونية، وتعزيز الرقابة على الحدود. وتثير هذه المهمة تساؤلات حول كيفية تنفيذ الجيش اللبناني لها؟ وهل سيصر “حزب الله” على أن تكون العمليات المنوطة بالجيش منسقة مسبقاً معه، ولا تلحق الضرر بنفوذه، فتتجه الأمور نحو التوتر بينهما، ما يعطي ذريعة للعدو الاسرائيلي بتوسيع خروقه لتتحول إلى حرب جديدة؟

“حزب الله” اتخذ قراراً واضحاً “إما التزام اتفاق وقف إطلاق النار والتخلي عن السلاح، وإما السير في طريق حرب جديدة لن تكون إلا كارثية على لبنان وجمهوره”.

شارك المقال