سلط تحقيق في صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية الضوء على عقود استخباراتية إسرائيلية أفضت إلى تتبع قادة “حزب الله” عن كثب والتحضير لعمليتي “البايجر” و”الووكي توكي”، وصولاً الى ذروة العمليات مع اغتيال الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله. وربط التحقيق تسريع توقيت العمليات بالشكوك التي ساورت عناصر داخل الحزب نفسه.
“تجاهل التحذيرات”
ووفقاً للتحقيق، “على الرغم من أن مساعدي نصر الله حثوه على الانتقال إلى مكان أكثر أماناً، أظهرت معلومات استخباراتية جمعتها إسرائيل أنه تجاهل التحذيرات وكان يعتقد أن إسرائيل غير مهتمة بحرب شاملة. ولكن ما لم يدركه هو أن وكالات التجسس الاسرائيلية كانت تتعقب تحركاته منذ سنوات.
واستند تحقيق الصحيفة إلى لقاءات مع أكثر من عشرين مسؤولاً إسرائيلياً وأميركياً وأوروبياً حالياً ومتقاعداً تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هويتهم. وكشف هؤلاء عن مدى اختراق الجواسيس الاسرائيليين لـ “حزب الله”، حيث “جندوا أشخاصاً لزرع أجهزة تنصت في مخابئ حزب الله، وتتبعوا الاجتماعات بين أحد كبار القادة، وكانوا على اطلاع بصورة شبه دائمة على تحركات قادة الحزب”.
وأشار التحقيق إلى “التفات الاستخبارات إلى بعض العثرات كما في أواخر العام 2023 عندما شك أحد فنيي الحزب في البطاريات الموجودة في أجهزة الاتصال اللاسلكية، أو في سبتمبر/أيلول، عندما جمعت الوحدة 8200 معلومات استخباراتية تفيد بأن حزب الله أرسل بعض أجهزة الاتصال اللاسلكية إلى إيران للتفتيش.
وخوفاً من كشف العملية، أقنع كبار المسؤولين الاستخباراتيين رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو بإعطاء الأمر بتفجيرها، ما أدى إلى تحريك العملية. وشكلت العمليات التي استندت إلى جمع المعلومات الاستخباراتية الاسرائيلية، الأساس للنهج اللاحق في الحرب اللبنانية الأخيرة.
وجند الموساد أشخاصاً في لبنان لمساعدة حزب الله ببناء منشآت سرية بعد حرب 2006. وقال مسؤولان إن مصادر الموساد زودت الاسرائيليين بمعلومات حول مواقع المخابئ وساعدت في مراقبتها. وتبادل الاسرائيليون عموماً معلومات حزب الله الاستخباراتية مع الولايات المتحدة والحلفاء الأوروبيين. وفي العام 2012، دقت لحظة مهمة، عندما حصلت الوحدة 8200 على معلومات كثيرة حول أماكن وجود قادة حزب الله ومخابئهم وبطاريات الصواريخ والقذائف، وفقاً لخمسة مسؤولين دفاعيين إسرائيليين حاليين وسابقين وأوروبيين.
وأثارت هذه العملية ثقة أجهزة الاستخبارات الاسرائيلية بقدرة الجيش الاسرائيلي على تحييد حزب الله في الحرب ضد إيران. ووفقاً لمسؤولين دفاعيين إسرائيليين مطلعين على المعلومات الاستخباراتية، مع انتهاء حرب 2006، كانت إسرائيل تمتلك محفظة أهداف لنحو 200 من قادة حزب الله وعملائه ومخابئ الأسلحة ومواقع الصواريخ. وبحلول الوقت الذي أطلقت فيه إسرائيل حملتها عام 2006، كانت قد أعدت بالفعل قائمة بأسماء 1000 من قادة حزب الله وعناصره ومخابئ الأسلحة ومواقع الصواريخ.
تحويل أجهزة النداء إلى أجهزة قاتلة
وبهدف اكتساب ميزة في أي حرب محتملة مع حزب الله، وضعت إسرائيل خططاً لتخريب الحزب من الداخل. وهكذا، تبنت الوحدة 8200 والموساد خطة لتزويد حزب الله بأجهزة البايجر والووكي توكي، وفقاً لستة مسؤولين دفاعيين إسرائيليين حاليين وسابقين.
وكان تصميم هذه الأجهزة وانتاجها بسيطاً نسبياً، بحيث وضع المهندسون الاسرائيليون متفجرات PETN داخل بطاريات الأجهزة الالكترونية، وحوّلوها إلى قنابل صغيرة. وفي العام 2018، وضعت ضابطة استخبارات إسرائيلية في الموساد خطة تستخدم تقنية مماثلة لزرع مادة متفجرة في بطارية جهاز استدعاء. وراجع قادة الاستخبارات الاسرائيلية الخطة، لكنهم قرروا أن استخدام حزب الله لأجهزة الاستدعاء لم يكن سائداً بما يكفي، لذلك تم تأجيل الخطة. وعلى مدى السنوات الثلاث التالية، تركت قدرة إسرائيل المتزايدة على اختراق الهواتف المحمولة حزب الله وإيران وحلفاءهم حذرين بصورة متزايدة من استخدام الهواتف الذكية. وساعد ضباط إسرائيليون من الوحدة 8200 في تأجيج الخوف، باستخدام الروبوتات على وسائل التواصل الاجتماعي لدفع تقارير إخبارية باللغة العربية حول قدرة إسرائيل على اختراق الهواتف، وفقاً لضابطين في الوكالة.
وخوفاً من اختراق الهواتف الذكية، قررت قيادة حزب الله توسيع استخدامها لأجهزة الاستدعاء. وسمحت هذه الأجهزة بإرسال رسائل للعناصر من دون أن تكشف عن بيانات الموقع. كما أنها لا تحتوي على كاميرات وميكروفونات يمكن اختراقها.
استهداف العنصر الذي شك بالأجهزة
واكتشف محللو الاستخبارات الاسرائيليون، الذين كانوا يراقبون استخدام الأجهزة باستمرار مشكلة محتملة في العملية. وبدأ كل شيء مع اشتباه أحد فنيي حزب الله على الأقل بأن أجهزة الاتصال اللاسلكية قد تحتوي على متفجرات مخفية، وفقاً لثلاثة مسؤولين دفاعيين إسرائيليين، فسارعت إسرائيل الى استهدافه بغارة جوية. وقال مسؤولان إسرائيليان إن المخابرات الاسرائيلية والقوات الجوية حاكت لمدة عام تقريباً، نحو 40 سيناريو حربي مبني حول اغتيال السيد نصر الله وغيره من كبار قادة حزب الله. وأرادوا استهدافهم في الوقت نفسه حتى ولو وجدوا في أماكن مختلفة.
وجمعت إسرائيل تفاصيل عادية ودقيقة عن قادة حزب الله وصولاً إلى تفاصيل حياتهم الحميمة، وفقاً للتقرير. وبعد الهجمات المتبادلة عبر الحدود منذ نحو عام، تجدد النقاش داخل الحكومة الاسرائيلية حول فتح “جبهة شمالية” ضد حزب الله. ووضع الجيش الاسرائيلي والموساد استراتيجيات مختلفة لحملة ضد الحزب، وفقاً لأربعة مسؤولين إسرائيليين.
وفي 11 أيلول، أظهرت المعلومات الاستخباراتية أن حزب الله كان يرسل بعض أجهزة النداء إلى إيران للفحص، وكان المسؤولون الاسرائيليون يعرفون أن الحكاية مسألة وقت قبل أن يتم تعطيل العملية السرية. وفي 17 أيلول، أمر نتنياهو الموساد بإرسال رسالة مشفرة إلى آلاف أجهزة النداء، التي انفجرت بعد ثوانٍ.
بعد عملية أجهزة النداء، اختارت حكومة نتنياهو، بدعم من كبار المسؤولين الدفاعيين، الحرب الشاملة، مع سلسلة من التصعيد. وفي اليوم التالي لتفجير أجهزة النداء، فجر الموساد أجهزة الاتصال اللاسلكية، والتي كان معظمها لا يزال مخزناً لأن قادة حزب الله لم يكونوا قد حشدوا المقاتلين بعد لمعركة ضد إسرائيل.
ووسط جدل كبير داخل الحكومة الاسرائيلية حول حرب لبنان، تلقت وكالات الاستخبارات معلومات جديدة تفيد بأن السيد نصر الله يخطط للانتقال إلى مكان مختلف، ربما سيصعب استهدافه للغاية، وفقاً لمسؤولين دفاعيين إسرائيليين ومسؤول غربي. وفي 26 سبتمبر/أيلول، وبينما كان نتنياهو على وشك السفر إلى نيويورك لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة، اجتمع مع كبار مستشاريه السياسيين والاستخباراتيين والعسكريين لمناقشة الموافقة على الاغتيال. وكان عليهم أيضاً أن يقرروا ما إذا كانوا سيخبرون الأميركيين مسبقاً. وعارض نتنياهو وغيره من كبار المستشارين إخطار إدارة بايدن. وأبقوا العملية سرية على اعتبار أن الولايات المتحدة ستدافع عن إسرائيل في حال ردت إيران”.


