كان عاماً مليئاً بالـ…

لينا دوغان

انسحب الوضع الاقتصادي المتردي في لبنان على غيره من التطورات خصوصاً الأمنية منها، لتسحب البلد على وضع لم يشهد له مثيل، وإن كان عاش حروباً كثيرة وكبيرة، فمن تشرين الأول عام ٢٠٢٣ حتى دخولنا ٢٠٢٤، ونحن على صفيح ساخن يقترب لهيبه منا أكثر فأكثر، حتى وصلت النار إلينا وأحرقت الأخضر واليابس، لا بل تخطى لظاها ليحصد خيرة من شبابنا ونسائنا وشيوخنا وأطفالنا، ناهيك عن أرضنا وبيوتنا.

بدأت القصة أو لعبة الحرب، باختيار قرار أراده جزء من اللبنانيين مساندةً لغزة، في حرب “حماس” مع إسرائيل، وبدأت تتحرك المشاغلة من جنوب لبنان التي شارك فيها “حزب الله” ومجموعات مختلفة من الفصائل الفسطينية و”الجماعة الاسلامية” في لبنان، بينما اعترض جزء كبير من اللبنانيين على هذا القرار، وهو الذي يعتبر أن قرار الحرب والسلم بيد الدولة، إلا أنه قدم أسباباً أخرى لتوقعه وخشيته من أن نصل إلى ما لا تحمد عقباه، ولا تبقى الحرب محصورة فقط في غزة.

وفعلاً عاش البلد على مدى ما يقارب العام، انقساماً فاق ما مرّ به من خلافات واختلافات على قضايا كثيرة، إلا أن هذه القضية أدخلت الخلاف في طريق ومنحىً خطيرين جداً، أقله أن من وقف الى جانب غزة محق، ومن فضل فصل لبنان عن ساحة غزة وغيرها، بات عميلاً.

ضمن قواعد الاشتباك أو معادلة الردود المدروسة التي كانت عنوان المرحلة، عاش كل لبنان من دون استثناء بقلق وخوف وتوتر وخشية مما سيحمله اليوم التالي، فبدأنا نسمع تحليلات وتقويلات بأن ليس هناك حرب، نحن لن تهاجمنا إسرائيل، نحن باقون ضمن قواعد الاشتباك ولن تتطور الأمور أكثر، يقابلها قراءات بأن إسرائيل لن تسكت والحرب واقعة واقعة، وصاحب مقولة وحدة الساحات والردود المدروسة، لن يكون بمأمن ما لم يوقف مغامرته التي أدخل كل لبنان فيها.

ودخل لبنان الحرب، بعد ٨ أشهر من الصد والرد، بين الحزب من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى، لكن هذه المرة ليست كسابقاتها، خصوصاً وأن كل التطورات التكنولوجية الى جانب الأسلحة الثقيلة، استخدمتها إسرائيل بعنف ومن دون رحمة، وهي التي لم ترأف بنا يوماً ولم تشفق، فهي تريد حدوداً آمنة ولا حروب، وهي وضعت ثقلها وكل ما تملك من أجل تحقيق هذه الغاية، البداية كانت بعمليات استهداف مركزة بصواريخ ذكية، لكن المفصل كان عندما انفجرت أجهزة النداء في عملية متزامنة لأجهزة اتصالات مفخخة، أدت الى إصابة المئات وسجلت انفجارات في جنوب لبنان وفي الضاحية في بيروت التي تُعتبر معقلًا لـ “حزب الله”، وهذه الحادثة شكلت صدمة وخرقاً يصعب استيعابه، ليأتي اغتيال السيد نصر الله في المقر المركزي للحزب بمثابة الخبر الذي هز بيئة “حزب الله” كما لبنان، ليتبين للجميع نوايا إسرائيل بتدمير كل ما هو مرتبط بالحزب، لنشهد على قصف واستهداف له في أي بقعة لبنانية وجد.

وصل الجميع داخلاً وخارجاً الى اتفاق بعد ٦٦ يوماً، وسيبقى مفعول الهدنة وسريان الاتفاق حتى دخولنا العام الجديد، والذي لا نعرف حتى الساعة ما سيحمله لنا، هل سيكون لدينا رئيس للجمهورية عام ٢٠٢٥، هل سنبقي على بنود الاتفاق بعد هدنة الستين يوماً، أم سيفرط عقده الهش أصلاً ونكون أمام مرحلة جديدة من الصراع؟ كل ذلك رهن بما ستحمله الزيارات الخارجية للبنان خصوصاً آموس هوكشتاين الآتي لرأب الصدع بين أطراف الاتفاق، ويبقى على الداخل اللبناني مسؤولية إيجاد حل للمعضلات الباقية.

نعم كان عاماً مليئاً بالوجع والظلم والموت، مليئاً بالحقد والطعن والتهديد، لكنه أيضاً كان مليئاً بحضن كبير جمع اللبنانيين تحت خيمة بيروت وسماء المتن وشجر الجبل وقلب الشمال ووسع البقاع، ليثبت أنه شعب قادر على المستحيل متى أراد.

كل عام وأنتم على قلب واحد وموقف واحد في حب لبنان أيها السياسيون.

شارك المقال