مؤتمر الحوار الوطني: أصعب تحدٍ يواجه السوريين منذ الاستقلال

ماهر الحمدان

تواجه سوريا اليوم أصعب لحظة منذ تاريخ استقلالها، ففي خضم أزمة متشابكة ومعقدة، تبدو الادارة السورية أمام تحدٍّ تاريخي يتمثل في تنظيم مؤتمر حوار وطني شامل. هذا المؤتمر، الذي طال انتظاره، يُفترض أن يكون منصة لوضع خريطة طريق لمستقبل سوريا، لكن الطريق نحو هذا الهدف ليس مفروشاً بالورود. فالتحديات السياسية والاقتصادية والأمنية تتشابك لتشكل معضلة حقيقية أمام أي جهود إصلاحية.

من الواضح أن دمشق، بقيادة رئيس الادارة العامة أحمد الشرع، تدرك أهمية عامل الوقت، بحيث حُدّد موعد نهائي في الأول من آذار لنهاية دور حكومة تصريف الأعمال، والبدء بتشكيل حكومة تكنوقراط. هذا الموعد يُمثّل إشارة واضحة على نية القيادة تسريع وتيرة العمل لمواجهة الأزمات المتراكمة. لكن هل ستتمكن الادارة من إنجاز هذا الاستحقاق وسط التعقيدات الراهنة؟

المؤتمر، وفقاً للتسريبات المتداولة، قد يضم ممثلين عن الجغرافيا السورية كافة، بما يعكس التعددية الطائفية والعرقية والسياسية للمجتمع السوري. الحديث يدور عن آلية شبيهة بنظام “المجمعات الانتخابية الأميركية”، حيث يتم توزيع المقاعد وفقاً للتمثيل الجغرافي لكل محافظة. تشير بعض المصادر إلى تخصيص 100 مقعد لمحافظة السويداء و70 للقنيطرة، وعلى الغرار نفسه لبقية المحافظات.

لكن تبقى هناك تساؤلات جوهرية: كيف سيتم اختيار هؤلاء الممثلين؟ هل سيُسمح بالترشيحات الحرة أم ستتم العملية عبر تزكيات محلية من وجهاء المجتمع؟ وكيف سيتم ضمان تمثيل الشباب والنساء والأقليات؟ هذه الأسئلة، وغيرها الكثير، تتطلب إجابات واضحة من اللجنة التحضيرية المزمع الاعلان عنها قريباً.

من المرجح أن يُعقد المؤتمر في منتصف الشهر الأول من العام الحالي، وقد يستمر لعدة أيام، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه القائمين عليه والوقت المطلوب لمناقشة الملفات.

المعضلة والقرار 2254: تداخل السياسة والشرعية

من الواضح أن المؤتمر لن يتبنى مبدأ “المحاصصة الحزبية”. فالأحزاب السورية لن تحصل على مقاعد مخصصة، بل سيُدعى الأفراد بصفاتهم المستقلة وبناءً على انتماءاتهم الجغرافية. هذا القرار قد يثير حفيظة بعض الكيانات السياسية، خصوصاً تلك التي لعبت أدواراً في المفاوضات الدولية أو انبثقت من منصات مثل القاهرة أو موسكو.

أما في ما يتعلق بالائتلاف السوري المعارض، فالادارة السورية تبدو واضحة: المشاركة ستكون على أساس فردي، وليس ككيان سياسي. الأمر نفسه ينطبق على هيئة التفاوض التي على الرغم من تمتعها بدعم دولي، لكنها تواجه تحدياً في إثبات شرعيتها ومدى تمثيلها الحقيقي للشارع السوري؟

تتمسك المعارضة السورية بتنفيذ القرار الأممي 2254، الذي ينص على تشكيل هيئة انتقالية خلال 18 شهراً. في المقابل، تصر دمشق على أنها تطبق جوهر القرار، لكن وفق مقاربة تتماشى مع الواقع الداخلي. يبدو أن الرهان الحكومي يتمحور حول تمديد المرحلة الانتقالية إلى ثلاث أو أربع سنوات، وهو ما قد يلقى معارضة دولية.

مخرجات المؤتمر المتوقعة

يسعى مؤتمر الحوار الوطني إلى إضفاء الشرعية على الادارة العامة السورية ممثلةً بأحمد الشرع وتشكيل لجان متعددة دستورية وحقوقية واقتصادية ومتخصصة بالمفقودين وإعادة الإعمار. ولكن أبرز ما قد ينبثق عن المؤتمر هو مجلس استشاري تشريعي يكون له دور رقابي على الادارة العامة ينتخب من المشاركين في المؤتمر، وذلك تكريساً للتشاركية في سلطة الادارة العامة.

يبقى النجاح الحقيقي لهذا المؤتمر مرهوناً بقدرة الادارة العامة السورية على استعادة ثقة السوريين بعد عقود من سلبها من نظام الأسد الفار، وبناء توافق وطني حقيقي، وتقديم حلول ملموسة للأزمات الاقتصادية والأمنية المتفاقمة. الأهم من ذلك هو ضمان ألا يتحول المؤتمر إلى مجرد حدث بروتوكولي أو منصة لالتقاط الصور.

إن نجاح المؤتمر مرهون بقدرة اللجنة التحضيرية على استيعاب التنوع السوري وخبراته المختلفة. يجب أن تتحلى اللجنة التحضيرية بالخبرات السورية المتنوعة لإنجاح المؤتمر وما يمثله من قيمة لمستقبل سوريا. الرهان كبير ولا يمكن المكابرة على إمكان تنفيذه بخبرات حكومة الإنقاذ على الرغم من كفاءاتها، بل يجب الاستعانة بكل من يمكنه المساعدة. هناك معايير محددة للأشخاص الذين سيكونون في اللجنة التحضيرية، وهذه المعايير ستعكس الصورة الأولى عن المؤتمر وتحدد ملامحه الأساسية.

وفي النهاية، إذا فشلت الادارة العامة في استثمار هذه الفرصة التاريخية، فقد يكون الثمن باهظاً، ليس على الصعيد السياسي وحسب، بل أيضاً على مستقبل سوريا بأكملها. العالم يراقب، والرهانات أكبر من أي وقت مضى.

شارك المقال