لطالما شكّلت الاعلانات المنشورة على طول خط مطار رفيق الحريري الدولي، مادة إعلامية دسمة ونقطة للتجاذب بين “شركاء الوطن” على الولاء والتخوين، حتى أصبحت في مكان معيّن ساحة لممارسة القوّة من طرف واحد على نسق “جكارة بالطهارة”، ففي كلّ مرّة كانت تنطلق الصرخة إعتراضاً على اللوحات التي تحمل صور قادة “حزب الله” وشهدائه، ومن ثم تخفت، لتشتعل مجدداً تحت عنوان جديد.
وقبل عامين، دعا وزير السياحة وليد نصار، الى “إزالة صور قادة المقاومة وشهدائها الذين نعتبرهم شهداء الوطن عن طريق المطار واستبدالها بصور للمناطق والمشاريع السياحية باعتباره أمراً أساسياً بالنسبة الى كثير من السياح”، لتعود وتنتشر من جديد مع بداية “طوفان الأقصى”، واستشهاد قادة جدد على “طريق القدس”.
وبعد الحرب الأخيرة التي خاضها “حزب الله” وانتهت بهدنة “مخروقة”، عوّل الكثيرون على انكسار شوكة بيئة المقاومة، خصوصاً بعد اغتيال الأمين العام السيد حسن نصر الله، واعتبروا أنها اللحظة المناسبة لاستعادة لبنان الذي سرقته إيران لسنوات وأقحمته في حروب دامية “لا ناقة له فيها ولا جمل”، فأي تصرف “معتدل”، صار يفسّر على أنه ضعف، خصوصاً وأن معظم البيئة كان يعوم على شيء من فائض القوّة وهو أمر كلّف البيئة الكثير، وأصبح سيفاً عليها.
فقبل يومين، تحرّك بعض الشبان الذين وصفهم إعلام الحزب بأصحاب “الغيرة والحمية”، وأضرموا النار بلوحة اعلانات يمتلكها مطعم “أحمد العبد الله”، على طريق المطار، بعد إزالة صورة الأمين العام السابق، معتبرين أن الأمر أشبه بلحظة “تخلٍّ”، ليسارع مكتب “إعلام بيروت” التابع لـ “حزب الله” الى إمتصاص غضب الشارع وتوضيح ما حصل ببيان جاء فيه: “نحن في إعلام حزب الله نطلب من الأخوة أصحاب اللوحات الاعلانية مساحات محددة وأعداداً محددة من اللوحات ولمدة زمنية محددة من أجل الترويج لمناسباتنا الدينية، وبعد القيام بالعمل، نطلب منهم إزالتها وهم مشكورين، وكانوا دوماً إلى جانبنا حيث ساهموا دائماً وفي كل مناسباتنا في إنجاحها ولم يبخلوا أبداً بمد يد العون المادي والمعنوي من أجل إنجاح شعائرنا وتخليد ذكرى قاداتنا وعلى مدى عشرين سنة متواصلة وحتى أثناء الحرب على الرغم من كل المخاطر .لذلك نرجو من الغيارى منكم أن لا تكون مكافأة هذه الشركات بالتهجم على ممتلكاتها وإحراق لوحاتها بمجرد أنهم أزالوا إعلان القادة بناءً لطلبنا”.
وفي اتصال مع المكتب نفسه، أوضح المعنيون لموقع “لبنان الكبير”، الأمر إنطلاقاً من البيان نفسه، بأن “مدّة الاعلان انتهت، ولا علاقة لصاحب المطعم بالأمر”. كما استنكروا التعدّي على الأملاك الخاصة.
وأشاروا الى أن “جزءاً من هذه البيئة يشكل ضغطاً وإساءة الى البيئة نفسها، ويصعب في مكان معيّن السيطرة عليها خصوصاً وأن ردود فعلهم نابعة من منطلق عاطفي، إلاّ أننا نحاول أن نخفف منها”، معتبرين أن “بعض اللافتات التي يستعملها المؤيدون تسيء الى خط المقاومة وفكرها، وفي الكثير من الأحيان يتم تعليقها من دون مراجعتنا، فنحن لا نتبناها”.
ورداً على سؤال عن النية بالتخفيف من هذه الصور والاعلانات، أجاب هؤلاء المعنيون: “لا نية حول هذا الأمر، فنحن نعلّق هذه الصور، من أجل إعطاء أصحاب الدمّ حقّهم المعنوي، لا بهدف الاستفزاز، علماً أن كلّ منطقة لبنانية ترفع صور قادتها، من دون اعتبارها استفزازاً للطرف الآخر”.


