رئيس وفائزون وخاسر واحد!

جورج حايك
مجلس النواب

لا بد من الاعتراف بأن انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية بعد شغور لمدة عامين لم يكن تفصيلاً بسيطاً بل محطة تاريخية ومفصليّة في لبنان، قد تغيّر المشهد السياسي على نحو كبير. وربما هذه الخطوة كانت متوقّعة قبل أيام بعد ضغط دولي قويّ وحراك محلي لافت، ولو بقي موقف الثنائي الحزبي الشيعي غامضاً حتى اللحظة الأخيرة، وقد سُرّب من مصادر عدة أنه نال ضمانات من الرئيس المنتخب، وهذا ما ستكشفه الأيام.

أمام هذا المشهد الايجابي الذي بدأ بالتوافق على انتخاب عون ثم تلاوته القسم الذي كسب رضى جميع القوى السياسية واحترامها، لا بد من كشف ما خرجت به المعركة الرئاسية من فائزين وخاسرين.

ويلفت وزير سابق إلى أن أبرز الفائزين هو فريق المعارضة بكل أحزابه أي “القوات اللبنانية” و”الكتائب اللبنانية” وكل الشخصيات السيادية وعدد كبير من نواب “الاعتدال” والتغييريين والمستقلين الذين وجدوا بالعماد عون الشخصية القادرة على قيادة المرحلة، وكانوا ينتظرون من فريق الممانعة التوافق عليه منذ عامين، إلا أن الأخير كان متشبثاً بمرشّحه سليمان فرنجية، ولم يتخلَّ عنه إلا بعد النكسة التي ألمت به بسبب الحرب.

وقد يعتبر البعض أن رئيس “القوات اللبنانية” سمير جعجع لم يكن يريد عون لطموحه الرئاسي، إلا أن جعجع لم يترشّح أصلاً، وكل هدفه كان انتخاب رئيس للجمهورية فعلي يتبنى أفكار المعارضة. ويذكّر الوزير السابق بأن جعجع كان سبّاقاً في طرح انتخاب عون عندما أعلن في 12 تشرين الأول 2022 أن لا فيتو لـ”القوات” عليه، معتبراً أن “المواصفات المطروحة من قبلنا تنطبق عليه”، وتوّج هذا الأمر بلقاء جمع الرجلين منذ أيام قليلة أدى إلى تفاهم كبير على معظم النقاط السياسية وخصوصاً تطبيق الدستور والقرارات الدولية. وقد لعبت معراب دوراً كبيراً في جمع كل مكوّنات المعارضة حول هذا الخيار في الأيام التي سبقت موعد الاستحقاق.

ومن الفائزين الأساسيين، وفق الوزير السابق، الزعيم الدرزي وليد جنبلاط الذي كان ترشيحه صريحاً للعماد عون، وقد لعب دوراً في إقناع الثنائي الشيعي بانتخابه ولا سيما الرئيس نبيه بري، ودفع كل القوى السياسية إلى دعمه، وكالعادة يلعب جنبلاط على الحصان الرابح، وقد كسب الرهان، معتمداً على راداراته التي تلتقط جيداً الذبذبات الدولية واتجاهاتها.

ويؤكد الوزير السابق أن أول الخاسرين، ولو جزئياً، هو الثنائي الشيعي الذي استدرك نفسه في اللحظات الأخيرة، ومن الواضح أنه قَبِلَ بعون على مضض خوفاً من خيارات أخرى لا يعرفها، بعدما عطّل الرئاسة لمدة عامين، علماً أن الثنائي يعرف أن عون كان مدعوماً أميركياً ودولياً، بل هو مرشّح المجتمع الدولي وأوكلت اليه مهمة تنفيذ القرارات الدولية التي يتحايل عليها “حزب الله”، ويُعتبر تصويته له متأخراً إقراراً بالهزيمة ومحاولة للتصالح مع الواقع، وقد سقطت كل رهانات الثنائي مثل رهان ترشيح فرنجية وعقد حوار قبل الانتخاب وسقط مشروعه لمصلحة مشروع الدولة، وهذا ما ظهر جلياً في خطاب القسم.

أما الخاسر الأساسي والأكثر تضرراً فهو رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل الذي ظهر معرقلاً لإعادة بناء الدولة بدءاً من امتناعه عن انتخاب رئيس حقيقي سيادي واصلاحي مثل قائد الجيش. ويشير الوزير السابق إلى أن باسيل سار خلافاً للرغبة الدولية الساعية إلى نهضة لبنان، وبدا امتناعه عن التصويت كموقف شخصي غير مبرر منطقياً سوى برفض العماد تلبية لمصالحه خلال مسيرته في قيادة الجيش. ورفع باسيل لواء الدفاع عن الدستور لم يلقَ أي اصداء ايجابية من الشعب والنخب السياسية، بل كان غير مقنع أقلّه بسبب تناقضاته، فهو انتخب العماد ميشال سليمان عام 2008 قافزاً فوق الاعتبارات الدستورية، فيما رفضها في انتخاب العماد جوزاف عون.

لا يُمكن فصل خيار باسيل السلبي والفاشل عن خيارات سابقة أدت إلى تراجع شعبيته، ولا يزال مستمراً على هذا المنوال، بحسب الوزير السابق، وهو يعتقد أنه سيمتطي حصان المعارضة المربحة شعبياً، إلا أن الوزير يتساءل: ماذا سيعارض باسيل يا تُرى؟ هل البلد المنكوب الذي سيحاول الرئيس المنتخب تأمين المساعدات الدولية لإعادة إعماره؟ وهل سيرفع راية “السيادة” أمام مهمة الرئيس الذي سيعمل على أن يبسط الجيش سلطته حصراً وبنفسه على كامل أراضيه؟ هل سيُعارض التزام الرئيس ببناء دولة جدية، كما ورد في القسم، أسوة بباقي دول العالم على امتداد كوكب الأرض؟

عملية الانتخاب ومسارعة الرئيس المنتخب إلى الدعوة للاستشارات النيابية بهدف اختيار رئيس حكومة، أعادت الحياة والأمل إلى الشعب اللبناني، وهو الرابح الأول والأخير من هذه الخطوة الضرورية التي طال انتظارها.

شارك المقال