كاليفورنيا: “بنينا قوتنا بالنار وها هي النار تحرقنا”

حسناء بو حرفوش

سلط مقال في موقع “ذا غارديان” الضوء على الكوارث البيئية التي تسبب بها الإنسان من خلال حجم استهلاكه للطاقة. وأكد الكاتب جان فايان أن علم المناخ قد تنبأ منذ فترة طويلة بهذه الكوارث، وأن الحرائق المستعرة في كاليفورنيا حالياً، إلى جانب الأحداث المماثلة في أنحاء مختلفة من العالم، هي نتيجة مباشرة لهذا التوازن الطاقي غير السليم. وطرح المقال إشكالية تأثير الوقود الأحفوري إنطلاقاً من السؤال: هل يحرر البشرية أم يعرضها لكارثة بيئية؟ وأشار إلى أن حجم استهلاك الإنسان للطاقة، بما في ذلك النفط والغاز والفحم، أدى إلى تسخين الغلاف الجوي، ما خلق ظروفاً ساعدت في اندلاع حرائق غابات مدمرة بصورة أكبر.

ووفقاً للمقال، تشير حرائق الغابات التي لا تزال خارجة عن السيطرة في لوس أنجلوس وعدم القدرة على الاحتواء إلى بداية كارثة بيئية، خصوصاً وأن المنطقة تحتوي على العديد من المباني السكنية، ما يضاعف من حجم الدمار. وتعكس الأرقام فداحة المشهد حيث تدمر حوالي 12,000 مبنى، وتضرر نحو 55 ميلاً مربعاً من الأرض، بالاضافة إلى إجلاء نحو 200 ألف شخص.

ولا تقتصر الحرائق على التأثير المدمر من الناحية المادية، بل من الناحية النفسية أيضاً، وهذا ما يعكسه مشهد السكان الذين تم إجلاؤهم بسرعة، مع اشتداد الرياح والأمطار التي أشعلت الحرائق بصورة أكبر. ومع هذه الأحداث، يمكن ملاحظة تأثير أكبر لأزمة المناخ على مستوى العالم، حيث يتجاوز الأمر مجرد حرائق في ولاية معينة.

وتعيد فظاعة المشهد تاريخ العلاقة بين الإنسان والنار الى الواجهة. فقد استخدم البشر النار منذ العصور القديمة، سواء في الطهي أو للتدفئة أو في صناعة الطاقة. وكانت جزءاً أساسياً من التطور البشري، بل يمكن حتى وصف البشر بـ “الكائنات النارية”. ومع مرور الزمن، باتت مصادر الطاقة التي تعتمد على النار، مثل الفحم والنفط والغاز، جزءاً أساسياً من الحضارة الحديثة.

ولا يمكن إلا التوقف عند تأثير الوقود الأحفوري على البيئة. وربط الكاتب بين استخدام الوقود الأحفوري في حياتنا اليومية وزيادة تلوث الغلاف الجوي، مشيراً إلى أن احتراق هذه المصادر من الوقود يعزز الانبعاثات الغازية، تحديداً ثاني أوكسيد الكربون والميثان، التي تساهم في تسخين الغلاف الجوي. ويساهم هذا التغير المناخي في زيادة الحرائق حدة، كما تؤدي هذه الظاهرة إلى تدهور البيئات الطبيعية وزيادة انتشار الحرائق بصورة غير مسبوقة. ويتوسع كاتب المقال في الحديث عن تأثير الوقود الأحفوري في تسريع تغيرات الطقس، مثل زيادة الجفاف الذي يجعل مناطق مثل كاليفورنيا أكثر عرضة للحرائق.

مشهد متوقع

وتأتي كل هذه الحرائق كنتيجة مباشرة للتغيرات المناخية، التي حذر منها العلماء منذ سنوات. كما أن المشهد في كاليفورنيا كان متوقعاً بصورة كبيرة بالنظر إلى الظروف الجوية الجافة والحارة. وفي الواقع، اختبرت المنطقة منذ بداية الشتاء حالة جفاف غير مسبوقة.

وتطرح الأحداث الأخيرة التساؤل الفلسفي حول ما إذا كان استخدام الوقود الأحفوري قد جلب للبشرية التحرر والرفاهية، أو ما إذا كان قد جعلها رهينة “الاحتجاز البيئي”. فالحروب الاقتصادية والصراعات المرتبطة بالطاقة تُساهم في تمويل صناعة الوقود الأحفوري وتحفيزها. كما أن الأضرار التي خلفتها هذه الحرائق ستتسبب في آثار نفسية واجتماعية طويلة الأمد.

ويثير ما يحدث قلقاً كبيراً من أن حرائق الغابات والتغيرات المناخية قد تصبح أكثر تدميراً في المستقبل إذا استمر الإنسان في الاعتماد على الوقود الأحفوري. ويبدو أن هذه الحرائق هي البداية فقط لأزمة بيئية واسعة النطاق يجب مواجهتها من خلال حلول بيئية مستدامة. ويخلص المقال الى ضرورة مناقشة تزايد حدة الكوارث الطبيعية مثل حرائق الغابات نتيجة لتغير المناخ، والى الدعوة للتفكير في مسؤوليات الإنسان تجاه البيئة وضرورة الانتقال إلى مصادر طاقة أكثر استدامة للحفاظ على كوكب الأرض للأجيال القادمة.

شارك المقال