على الرغم من أن سقوط نظام بشار الأسد ترك آثاراً كبيرة على الجيوسياسية الاقليمية، لا يمكن الجزم بهيمنة حاسمة لأي دولة على منطقة الشرق الأوسط على المدى البعيد. ووفقاً لقراءة للكاتب كريستوفر فيليبس، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة “كوين ماري” في لندن، “مثّل سقوط الأسد خسارة كبيرة لايران وعزّز موقف تركيا وإسرائيل. ومع ذلك، تصعب طبيعة الشرق الأوسط، متعددة الأقطاب، على أي دولة الهيمنة على المنطقة. وهذا ما قد يدفع كليهما الى السعي وراء طموحات أكثر تواضعاً بدلاً من الهيمنة”.
ووفقاً للمقال، “أثار السقوط المفاجئ لنظام الأسد في سوريا الشهر الماضي الكثير من التكهنات حول تأثيره على الشرق الأوسط الأوسع نطاقاً. وخلص كثيرون، الى التأثير المباشر على إيران. وأشارت قراءة في مجلة فورين بوليسي، إلى أن سقوط الأسد يمثل نهاية النظام الاقليمي الذي تهيمن عليه إيران، وينذر بظهور نظام جديد تهيمن عليه إسرائيل وتركيا. وعلى نحو مماثل، أمكننا قراءة في مجلة نيو لاين، أن زوال إيران في سوريا من شأنه أن يدفع تركيا إلى الهيمنة بدلاً من ذلك. ولكن في حين تستفيد كل منهما بوضوح من سقوط الأسد، لا يمكن الجزم بأن أي قوة تعتزم الهيمنة على المنطقة.
ولطالما شكل الشرق الأوسط تاريخياً منطقة صعبة لأي دولة تسعى الى الهيمنة عليها. ومنذ انهيار آخر قوة مهيمنة حقيقية، أي الامبراطورية العثمانية، حاولت حكومات إقليمية وخارجية مختلفة القيادة والسيطرة، ولكنها أخفقت إلى حد كبير. وشهد نظام الدولة الذي أنشأته بريطانيا وفرنسا بعد العثمانيين توزيع أصول القوة الرئيسية مثل السكان والموارد الطبيعية على العديد من القوى المتوسطة، ما جعل المنطقة متعددة الأقطاب بصورة طبيعية.
وعلى النقيض من أميركا الشمالية والجنوبية، أو شرق آسيا أو شبه القارة الهندية، حيث تتفوق دولة أو دولتان على الدول الأخرى، يصعب على أي دولة أن تهيمن على الشرق الأوسط. وحاول البعض في العالم العربي من دون نجاح يذكر في السابق وبالمثل، حاولت الولايات المتحدة فرض هيمنتها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، لكنها تراجعت. وفي أعقاب ذلك، عادت التعددية القطبية الطبيعية في الشرق الأوسط الى الظهور، بحيث تسعى القوى المتوسطة في المنطقة إلى تعزيز مكانتها. ومن أبرز هذه الدول إيران. ومع تراجع الولايات المتحدة تدريجياً عن دور ضابط الشرطة الاقليمي الذي سعت إليه في التسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، استغلت طهران الفراغ لبناء وتعزيز شبكتها في العراق ولبنان وسوريا واليمن وفلسطين، من بين دول أخرى. ومع ذلك، بقي نفوذ إيران محدوداً خارج شبكات وكلائها.
وينطبق الشيء نفسه على الولايات المتحدة، التي بقيت، على الرغم من عدم سعيها الى الهيمنة بنفسها، الفاعل الاقليمي الأكثر قوة، وكبحت إيران من خلال العقوبات أو الاجراءات العسكرية المباشرة مثل الاغتيالات. وعلى أي حال، بغض النظر عن حجم طموحاتها الاقليمية، تمتلك طهران قدرة محدودة، فهي دولة متوسطة الحجم يبلغ عدد سكانها أقل من 90 مليون نسمة واقتصاد خاضع للعقوبات. وعلى الرغم من تفوقها في مجالات عسكرية معينة، وتحديداً حرب المسيرات والاستخدام الفاعل للجهات الفاعلة غير الحكومية، تبقى متأخرة كثيراً عن منافسيها الاقليميين في مجالات أخرى، على مستوى سلاحها الجوي وجيشها التقليدي”.
وحسب القراءة في موقع “عرب نيوز” يشكل التقليص في مجال النفوذ الايراني “تعديلاً”، يعكس بشكل أكثر دقة قدرتها على فرض قوتها. أما إسرائيل فاعتمدت العكس في بعض النواحي وركزت على الأمن القومي. ومع ذلك، تشير تحركاتها منذ حرب غزة، بما في ذلك الضربات المنتظمة ضد الحوثيين في اليمن، إلى استعداد جديد لتشكيل المنطقة. وبدورها، كانت تركيا أيضاً مترددة تاريخياً في الافادة الكاملة من قدراتها. ولكن منذ العام 2011، أصبحت أنقرة أكثر نشاطاً، بحيث دعمت المتمردين السوريين ضد الأسد، ثم احتلت عدة جيوب في الشمال، فضلاً عن التدخل في العراق وإرسال قوات إلى ليبيا وأذربيجان.
ومع ذلك، تبقى هذه التدخلات متواضعة نسبياً، ويرى محللون أن تركيا قد تكون قادرة على القيام بالمزيد. ولكن من الواضح أن إسرائيل وتركيا لا تتوقعان هيمنة أي منهما على المنطقة، وتدركان صعوبة ذلك حتى ولو أصبحت كل منهما أكثر قوة بعد سقوط الأسد. وفي النهاية، تمنع طبيعة المنطقة بقاء أي قوة في القمة لوقت طويل. ومع إدراك هذه الحقيقة، تحاول القوى الفاعلة التأثير بصورة إيجابية من دون الانجراف إلى حد الهيمنة”.


