كيف تستخدم إسرائيل المياه لتعزيز نفوذها في الشرق الأوسط؟ وفقاً لمقال في موقع “دايلي نيوز”، تنظر إسرائيل الى موارد المياه كأداة استراتيجية لترسيخ هيمنتها الاقليمية في ظل ندرة المياه في المنطقة والأزمة التي تنذر بها. وسلط المقال الضوء على الجهود العسكرية والتكنولوجية الاسرائيلية للسيطرة على مصادر المياه الحيوية، مثل سد المنطرة في سوريا ونهر الأردن، ما يؤثر على دول الجوار كسوريا ومصر.
ووفقاً للمقال، “تشكل ندرة المياه في الشرق الأوسط أحد التحديات الاستراتيجية الأكثر إلحاحاً، بحيث يزداد الطلب على المياه بفعل النمو السكاني والتطور الاقتصادي، لدرجة أنها أصبحت عنصراً رئيسياً في النزاعات الاقليمية. وتتصدر إسرائيل مشهد إدارة الموارد المائية من خلال مزيج من الاجراءات العسكرية والديبلوماسية والتكنولوجيا المتقدمة.
وشكلت التغيرات في سوريا تطوراً محورياً في هذا السياق. فمع انهيار نظام الأسد وما تبعه من عدم استقرار، عززت إسرائيل عملياتها العسكرية في مرتفعات الجولان المحتلة، لا سيما في المناطق الحدودية ذات الأهمية الاستراتيجية. ويعتبر سد المنطرة في ريف القنيطرة أحد العناصر الحيوية في هذه العمليات، حيث يوفر المياه لمناطق واسعة من جنوب سوريا. ويندرج هذا التحرك ضمن استراتيجية أوسع تهدف الى تعزيز هيمنة إسرائيل على الموارد المائية في الشرق الأوسط، خصوصاً مع تفاقم أزمة المياه على مستوى العالم.
وتشير التقارير إلى أن سيطرة إسرائيل على السد تتجاوز الأهداف العسكرية، بحيث تهدف الى ضمان الاستدامة المائية في ظل ندرة الموارد. وتسعى هذه السياسة أيضاً الى تعزيز نفوذ إسرائيل الاقليمي وإضعاف الدول المجاورة، وخصوصاً سوريا التي تعتمد على السدود المحلية للزراعة والمياه. وتترتب على هذه الاجراءات تداعيات واسعة النطاق، بما في ذلك تهديد الأمن المائي للمجتمعات في القنيطرة ودرعا، ما يفاقم الأزمة الانسانية. كما يؤدي ذلك إلى تصعيد التوترات الاقليمية، بحيث يعتبر انتهاكاً للسيادة السورية وقد يؤدي إلى نشوب صراعات حدودية”.
ويوضح المقال تحول المياه الى أداة جيوسياسية محورية بالنسبة الى إسرائيل، حيث تتجاوز الأهمية التقليدية للقضايا العسكرية، وتسعى الى تعزيز هيمنتها في الشرق الأوسط، من خلال السيطرة على مصادر المياه الرئيسية مثل نهر الأردن ومستودعات الضفة الغربية، ما يمنحها نفوذاً إضافياً في المنطقة. علاوة على ذلك، تسعى الى استخدام المياه كوسيلة للضغط على جيرانها، ما يعزز تفوقها السياسي والاقتصادي.
وتمتد جهود إسرائيل للسيطرة على المياه إلى مناطق أبعد حيث تستهدف الأنهار الاقليمية مثل النيل. وترى في السيطرة على مصادر النيل في إثيوبيا خطوة استراتيجية لتعزيز أمنها المائي وزيادة نفوذها في الشرق الأوسط، حيث تُعتبر المياه عنصراً أساسياً للقوة والازدهار. كما أظهر بعض الدراسات أن الاستراتيجية الاسرائيلية لا تقتصر على تأمين المياه فحسب، بل تعكس رؤية أوسع تهدف الى تقليل نفوذ الدول الأخرى في المجال نفسه.
وفي هذا السياق، تستخدم إسرائيل التكنولوجيا المائية كأداة سياسية، بحيث استثمرت بصورة كبيرة في تحلية المياه وإعادة التدوير لتصبح رائدة عالمية في هذا المجال. وهذا ما أتاح لها إدارة الأزمات المائية الاقليمية بفاعلية، مع زيادة نفوذها السياسي. وتبرز دورية “نيتشر” لعام 2023 كيف تستخدم إسرائيل الاتفاقيات لتعزيز الروابط السياسية والاقتصادية.
وبالعودة الى التاريخ، لعب الانتداب البريطاني دوراً حيوياً في تطوير البنية التحتية للمياه وتأمين السيطرة على موارد المياه. ونتيجة لذلك، تمت إعادة توزيع المياه لصالح المستوطنين، مع إعطاء الأولوية لتطوير البنية التحتية للمياه في المناطق التي كانت تقطنها أغلبية يهودية، مثل تحويل مياه نهر الأردن لدعم المستوطنات الجديدة.
وكما تمحورت الجهود حول مشاريع كبرى مثل مشروع الناقل القُطري للمياه، الذي ينقل المياه من بحيرة طبريا إلى النقب لأغراض زراعية، بالاضافة إلى تطوير تكنولوجيا تحلية المياه وإعادة استخدامها، بشكل يعزز الاستقلال المائي في منطقة تعاني من ندرة الموارد.
وتكتسب السيطرة الاسرائيلية على موارد المياه في الشرق الأوسط أهمية متزايدة، خصوصاً في ظل التطورات الأخيرة. واستخدمت إسرائيل منذ الحقبة الاستعمارية، مزيجاً من القوة العسكرية والتكنولوجيا المتقدمة للحفاظ على هيمنتها على موارد المياه، ما يقوّض حقوق المجتمعات المجاورة في مواردها الطبيعية. ويتطلب التعامل مع هذه القضية تعاوناً إقليمياً ودولياً لضمان التوزيع العادل للمياه، مع احترام السيادة الوطنية وحقوق السكان المحليين. وفي ظل التحديات المقبلة، يصبح تحقيق العدالة المائية أمراً ضرورياً لتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط، ما لم تُنفذ حلول شاملة لمنع استخدام المياه كأداة للصراع السياسي”.


