تستند الهدنة التي تدخل حيز التنفيذ في غزة الأحد، وفقاً لقراءة أميركية، الى اتفاقية هشة بحيث تعتمد المراحل المستقبلية على مفاوضات إضافية. كما تزيد السياسة الداخلية الاسرائيلية الوضع تعقيداً خصوصاً وأن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يواجه ضغوطاً من حلفاء اليمين المتطرف الذين يعارضون الهدنة. وتشير هذه الديناميكية السياسية بالاضافة الى الأنماط التاريخية للصراع، إلى أن الهدنة قد لا تؤدي إلى سلام أو استقرار على المدى الطويل.
كما قد تؤثر التغييرات القادمة على مستوى الادارة الأميركية على التطورات المستقبلية، بحيث من المرجح أن يدعم دونالد ترامب الموقف المتشدد لإسرائيل بسبب قاعدته السياسية وتحالفه مع نتنياهو. وحسب المقال، “من غير المرجح أن يستمر وقف إطلاق النار في غزة. وفي غضون أسابيع قليلة قد لا يتمكن ترامب من الضغط على نتنياهو. وتسبب الهجوم العسكري الاسرائيلي على القطاع في وفيات تجاوزت وفقاً للإحصاءات الرسمية 46 ألف ضحية. ومن المحتمل أن هذا الاحصاء أقل من الوفيات الفعلية بنسبة تزيد عن 40%، حيث أن غالبية الوفيات من النساء والأطفال وكبار السن.
ويلزم اتفاق الهدنة إسرائيل بالسماح لعدد متزايد من الشاحنات التي تحمل المساعدات الانسانية بالدخول إلى قطاع غزة. وتشمل الفوائد الأخرى إطلاق سراح عدد من الرهائن الاسرائيليين الذين احتجزتهم حماس في هجومها في أكتوبر/تشرين الأول 2023. كما سيتم إطلاق سراح مئات الأسرى في السجون الاسرائيلية. ولكن بعيداً عن هذه التدابير الايجابية، لا وجود في الاتفاق لما يمكن تعليق آمال كبيرة عليه في تحقيق تقدم كبير نحو السلام والاستقرار. وعلى الرغم من أن وقف العمليات العسكرية يضع حداً بعض الشيء للمعاناة الفورية، لا يعكس الضرر الهائل الذي حول ما كان بالفعل سجناً مفتوحاً إلى أرض قاحلة غير صالحة للسكن إلى حد كبير.
ويشير الاتفاق إلى توقف موقت فقط بحيث يستمر وقف إطلاق النار ستة أسابيع، ويعتمد أي تمديد له على نجاح المفاوضات في المستقبل. ومن المقرر أن تشهد المرحلة الثانية والثالثة إطلاق المزيد من الرهائن وانسحابات أخرى من الجيش الاسرائيلي، إلى جانب خطة إعادة الإعمار. ولكن حتى الآن كانت المرحلتان مجرد خطوط عريضة للأهداف وليستا بمثابة اتفاق حقيقي. وباختصار، توصل المفاوضون إلى صفقة قصيرة الأجل”.
وحسب القراءة، “لا سبب يذكر للتفاؤل بنجاح المفاوضات في فترة لاحقة، وتقع أكبر العوائق أمام تمديد وقف إطلاق النار على الجانب الاسرائيلي، بسبب التوجهات السياسية نحو إدامة الحرب إلى أجل غير مسمى. وتوافرت لدى رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو الأسباب الشخصية والسياسية لإبقاء إسرائيل في حالة حرب. وأدى استمرار الحرب الى تأخير اضطراره الى مواجهة العواقب الكاملة لاتهامات الفساد الموجهة إليه والتحقيق الرسمي الحتمي في إخفاقاته السياسية. كما تعتمد قبضته على السلطة على الحفاظ على ائتلاف مع اليمينيين المتطرفين الذين لا يفكرون إلا في السياسة المتبعة تجاه غزة والذين يطمحون الى القضاء على المجتمع الفلسطيني هناك.
وهدد أبرز اليمينيين المتطرفين، وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، بالانسحاب من الحكومة بسبب معارضته لوقف إطلاق النار في غزة. ويعتقد نتنياهو على الأرجح أنه قادر على التغلب على الضغوط المتضاربة التي يتعرض لها من خلال الجمع بين الدعم الذي سيحصل عليه من عودة بعض الرهائن الاسرائيليين والتوصل إلى تفاهمات خاصة مع بن غفير وزميله اليميني المتطرف وزير المالية بتسلئيل سموتريتش. وفي سياق أي تفاهم من هذا القبيل، هناك احتمال استئناف الهجوم العسكري الاسرائيلي على غزة بعد وقف إطلاق النار الموقت الذي يسمح بإعادة بعض الرهائن.
وقد يأتي استئناف الهجوم بعد انتهاء وقف إطلاق النار الذي يستمر ستة أسابيع وفشل المفاوضات بشأن المرحلتين الثانية والثالثة في التوصل إلى اتفاق، أو قد تجد إسرائيل الأعذار لاستئناف الهجوم في وقت أقرب. وفي الأصل، لدى نتنياهو تاريخ طويل في التراجع عن الاتفاقيات الدولية. ولا يزال هناك احتمال بأن تصبح أي حرب متجددة في غزة مشكلة بالنسبة الى ترامب كما كانت بالنسبة الى بايدن. ومع ذلك، هناك عاملان رئيسيان قد يدفعان بترامب الى عدم ممارسة أي ضغوط على الحكومة الاسرائيلية لتجنب الإبادة في قطاع غزة. الأول هو علاقة ترامب بقاعدته السياسية الانجيلية المحلية. والثاني هو أن حليفه نتنياهو قدم له معروفاً كبيراً بتعامله مع مفاوضات وقف إطلاق النار، والآن يدين ترامب لنتنياهو ببعض الخدمات في المقابل. وتماشياً مع ذلك، ينتهج مستشار الأمن القومي الجديد لترامب موقفاً متناغماً مع إسرائيل إزاء حماس. ويؤكد ذلك أن اتفاق وقف إطلاق النار الجديد لا يحد من الصراع الطويل الأمد في غزة طالما يُحرم سكان القطاع وغيرهم من الفلسطينيين من الحق في تقرير المصير”.


